المؤسسات الدينية وضوء قد يوجد في آخر النفق

الجمعة 2015/07/24

تلعب المؤسسة الدينية دورا مهما في عالمنا العربي بجميع فروعها الرسمية والمعارضة والتقليدية. وفي حاضرنا المضطرب تعاني هذه المؤسسات من لعنة الإرهاب مثلها مثل الأنظمة، فهي في عين العاصفة، وتحت مجهر المطالبات المستمرة بأن تقوم بدورها المهم للتصدي للعنة التطرّف والتكفير والتشدّد.

وسط عيون الرصد التي تطالبها بالتحرّك، تحاول بعض المؤسسات الدينية كالأزهر لعب دور مهم في معركة مكافحة الإرهاب، ويقوم المفتي العام في السعودية بدور مشكور في ذلك الصدد، كما تبذل مؤسسات عدة في دول مختلفة نفس الجهد.

لكن ما هي الأدوات التي تمكن هذه المؤسسات من القيام بدور فعّال، وما هي الاستراتيجيات التي وضعت لتنفيذ عمل جبار منوط بمؤسسات يجب أن تكون هي خط الدفاع الأول لا الأجهزة الأمنية.

في البدء يجب الاعتراف بأن حركات الإرهاب هي تنظيمات معارضة، ليس فقط للأنظمة السياسية بل وللمؤسسات الدينية والوطنية. وهذا يعني أن على هذه المؤسسات أن تتعامل مع منظمات الإرهاب على أنها عمل سياسي يستخدم الدين كستار ووسيلة.

ومن المهم أن تعمل المؤسسات الدينية على فهم ارتباط حركات العنف السياسي الإسلامية بالدين، وتفكيك هذا الارتباط على الأقل لدى العامة وخاصة الشباب.

كما يجب وهذا الأمر مهم جدا، أن تعمل المؤسسات الدينية على التحذير من استعمال الدين في الممارسات السياسية. وأن تبدأ هي في ذلك، وأن ترسخه كقاعدة عمل وتبين أن استعمال الدين في السياسة سيؤدي إلى كوارث نظرا لاختلاف التفسيرات واستعمال النصوص بكل عسف يبعدها عن مقاصدها.

يجب على هذه المؤسسات التركيز على الفصل بين جوهر الدين وظواهر العنف التي تحدث الآن، وأن يكون ذلك في صلب عملها اليومي، ومهمة كل منتم إليها بشكل مكثف.

لا يمكن أن تقنع المؤسسات الدينية الشباب بخطاب متناقض أو متستر أو متوار عن مواجهة حقائق العصر، عليها أولا أن ترى أن دورها توعوي وأن مهمتها توجيه أنظار الشباب إلى مواطن التسامح في الدين الإسلامي، كيف لمن يعلن التشدد ويواجه تطلعات الشباب بصرامة أن يكسبهم دون أن يغير خطابه إلى متسامح وعصري.

بكل وضوح لا يرى الشباب في المؤسسات الدينية أيّ جاذب له نحو العصرنة، لا يمكن لمؤسسة تشيع الانغلاق وتحذره من الآخر وتدفعه إلى اليأس أن تقنع شابا يتطلع للعالم بكل شوق وحماس واستطلاع وحب للحياة. سيهرب من خطاب هذه المؤسسات إذا هي أصرت على دفعه إلى زاوية وحصارها بالمحرمات، وإن استجاب لخطابها فسيكمل طريق الانغلاق لمؤسسات غير شرعية تمنحه حرية الوهم وتضع بين يديه حرية الحلم بالذهاب إلى السماء وحور العين والانعتاق سريعا من هذه الأرض المليئة باليأس. أغلقوا عليه الأبواب باسم الدين وفتح داعش له بابا مليئا بالسبايا وحور العين والانتصارات.

في السابق كانت الأنظمة السياسية الرسمية هي التي تواجه عصابات التطرّف الديني، في الوقت الراهن تجد هذه العصابات نفسها أمام معركة حاشدة على استلاب تعاطف الرأي العام، وقد نجحت إلى وقت قريب في كسب جزء من المواقع حيث رحب البعض بما يفعله تنظيم داعش في العراق وسوريا من كسر لهيبة أنظمة منحازة لإيران، لكن منذ أن بدأ داعش معركته في الداخل الخليجي حتى بدأ يخسر، ورأينا المشهد في بداية تغير، فالبعض يرحب بما يفعله داعش في سوريا والعراق لكن يرفض أن يفعل مثله في السعودية والخليج.

وبكل صدق كان الكثير من المنتمين إلى المؤسسة الدينية يردد ذلك وبطريقة غير مباشرة. ووقف البعض يندد بما يفعله داعش في الداخل لكنه لم يشر إلى ما يفعله داعش والنصرة في الخارج بشكل واضح، وتنوعت إدانته حسب موقع الجرائم في قصور واضح وفهم غير عميق للنتائج المستقبلية.

إن فشل المؤسسات الدينية الرسمية في احتواء الشباب له عدة جوانب مهمة، أولا: أن خطاب هذه المؤسسات غير عصري ويشتغل فقط على الوقوف ضد التحديث.

ثانيا: أن المؤسسة الدينية ارتمت في أحضان السلطة لمقاومة نمو حركات المعارضة التي تستعمل نفس الأدوات والأسلحة ومنها المساجد وحلقات الوعظ والخطاب الديني.

ثالثا: أن السلطة السياسية استعملت المؤسسات الدينية بكل غطرسة وإسهاب دون مراعاة أن ذلك يضر باستقلاليتها.

رابعا: الاستعمال المزدوج والزواج الواضح بين السلطتين الدينية والسياسية في ظل تباطؤ الإصلاح السياسي نفر الشباب من السياسي والديني الرسمي.

خامسا: وضوح حاجة السياسي للديني ليمنحه الشرعية والديني للسياسي كي يرعاه وسط هجمات المعارض الديني المنافس.

نجاح حركات المعارضة الدينية، بكل فروعها وأطيافها، في استقطاب الشباب ناتج من ضعف المؤسسات الدينية الرسمية في استعمال خطاب معاصر يلبي رغبات الشباب، هذا يحدث في وقت يحتاج المجتمع وجود مؤسسة دينية تحتوي عاطفة الشباب.

قد يخشى السياسي من لعب الديني دورا أكبر من دوره، لكنه في ظل المرحلة والتالية ولفشله في صياغة خطاب تنموي رفيع وإرساء ثورة ثقافية تلبي حاجات شرائح اجتماعية تبحث عن الأفضل دفع الشباب إلى المعارضة والتمرد ورفض كل ما ينتمي إلى الرسمي سياسيا أو دينيا.

نحن أمام معضلة إن رضينا بلعب المؤسسة الدينية دورا أكبر، فهذا يعني أنه يجب على هذه المؤسسة أن تملك خطابا متجددا وذا استراتيجية مستقبلية واضحة.

المشكلة هي أن هذه المؤسسة الدينية لا تملك القدرة على ذلك، ويبدو أنها لا ترغب في تحديث نفسها، وتنتظر من السياسي أن يقدم لها الحلول بدلا من أن تبادر هي بخوض المعركة بكل تنوير وتحديث.

نحن أمام جدل مجتمعي يصر على أن الدور الغالب هو للسياسي يسنده الديني الرسمي لمكافحة التطرف، لكن الأجهزة المنوط بها أمن بلادنا تؤكد على أن المعركة لا يجب أن تخاض من قبلها فقط بل إن للمجتمع دورا مهما، وهذا أمر صائب وجدير بالاحترام.

لكن كيف يمكن لمجتمع لا يملك أدوات التصحيح والتعبير أن يسهم في التغيير، كيف لمجتمع يعاني من التقييد من قبل السياسي والديني أن يساعدهما في المعركة.

السياسي لا يريد أن يخوض معركة التحديث حتى على المستوى الاجتماعي كحقوق المرأة وغيرها، والديني يخشى من أن يمارس نصف المجتمع حقوقه فتضعف سلطته وشعوره الواهم بالمشاركة السياسية.

قد يقول بعضهم إن مشاكل المجتمع لا تقف عند الحقوق الاجتماعية فقط، هذا صحيح، لكن معاناة المجتمع من القراءة السياسية النفعية، ومحاصرة طموحات الشباب بعوائق لا تتوافق مع عصرنا وواقعنا في وقت يمارس فيه الشباب العولمة بكل أدواتها، أمر يؤدي بالشاب إلى طريق مسدود، فهو يتعلم ويشرب من مناهل الحضارة ليعود ويعاني من عوائق لا تتناسب مع ما وصل إليه من فكر، وليس لحمايته بل لمرضاة أقطاب دينية نفعية، واستجابة لقراءات محددة في ظل توسع في فهم الدين وعصرنة واضحة للخطاب الديني.

والمثير للحزن أن حركات الإسلام السياسي تستفيد بكل وضوح من وصول الشاب إلى هذا الطريق المسدود، فبعضها يقوده إلى نهاية وخلاص سريع، وأخرى تستخدم غضبه كوقود في معركتها ضد السياسي الرسمي.

العنف حينما يدخل في علاقة السياسة بالدين ليس مرده تسلط السياسي فحسب بل أيضا استعمال الديني المعارض له، وداعش ليس صناعة إيرانية ولا أميركية بل هو قبل كل شيء صناعة مجتمعية عربية، صنعت في العراق ضد السياسي العراقي والسوري وتصنع في الدول الأخرى ضد السياسي الرسمي المحلي.

ولهزيمة داعش يجب على السياسي أن يتبنى خطابا عصريا جديدا ينزع من داعش خلاصه ويقدم خلاصا حضاريا لشباب متعطش لوظيفة ومسكن وحرية ووطن يحبه ويحن ويحرص عليه.

يجب على السياسي ألا ينغمس في الدائرة الدينية كما يجب على الديني ألا يتدخل في الدائرة السياسية والدلائل واضحة على الضرر الذي مس الديني بسبب ذلك.

لكن المهم هو أن يعمل السياسي والديني سوية ضد العنف وضد المحرضين عليه وأن يلبّيا تطلعات الشباب وأن يرافقا الطموحات والتطلعات الشبابية لا أن يكونا معرقلين لها.

كاتب سعودي

9