المؤسسات الصحفية تبحث عن طرق دفع جديدة تغطي تكاليفها

صحيفة نيويورك تايمز تعكس حال المؤسسات الصحفية العريقة التي تبحث بجدية عن مشتركين أجدد في ظل تدهور مجال الإعلانات المطبوعة. وهو رهان مكلف، ولكنه يبقى ضروريا باعتبار أنه يجب إيجاد حلول لمعضلة الإيرادات.
الخميس 2015/11/12
نيويورك تايمز تريد تركيز تخصصها على الاشتراكات في جميع أنحاء العالم

لندن - انهار مشروع بيع الأخبار وجدار الدفع قبل أن يبنى عندما تراجعت الصحف عن التفكير في الحصول على رسوم بيع المحتوى على الإنترنت، في ظل المنافسة الشرسة وتوفر المحتوى الإلكتروني المجاني في كل مكان على الشبكة العنكبوتية، وهاهي المؤسسات الصحفية العريقة تتراجع وتفكر في البحث عن بدائل أخرى لتمويل إصداراتها.

وفي هذا الاطار أكد السير مارتن سوريل، المختصص في مجال وكالات الإعلانات “أن جدار الدفع ’ هو الطريقة الأمثل”، وجدار الدفع: هو فكرة ابتكرها مردوخ قبل سنوات تفرض رسوما مالية حول الحصول على محتوى الصحيفة على الانترنت، ممّا يدفع بالمدراء التنفيذيين لمختلف الصحف إلى القيام بوقفة عامة للتفكير “هل ستسود الاشتراكات مستقبلهم المهني؟”، بالإضافة إلى محدودية فرص الحصول على الشبكة وضرورة الدفع قبل الحصول على المعلومات أو هل يمكن أن تكون حرة ومفتوحة في عالم رقمي بلا حدود يعتمد على إيرادات الإعلانات؟

وتقول صحيفة الغارديان البريطانية إن الصعوبة هنا تكمن في أنه إذا كان الخبير المتخصص في مجال الإعلانات لا يعتقد أن الإعلانات قادرة على حل المعضلة، فالمشكلة أكبر ممّا نتصوّر.

وما لم يصرّح به سوريل، بالطبع، هو أن التدهور الذي تم التنبؤ به يعود، ولو جزئيا، إلى نموذج أعمال بعض وكالات الإعلان التي ترتفع قيمة فواتيرها إلى المئات من المليارات، ولكنها تحتاج رغم ذلك إلى هيكل شامل لشركة قابضة لتعمل مع 3000 مكتب موزعة على 112 بلدا. ولئن كانت بعض الأمثلة والتجارب عابرة للحدود (أي من الممكن أن تجدها في مختلف البلدان والمجتمعات)، إلا أن تجارب كثيرة لا تزال متأصلة في بلدان وثقافات معيّنة، وهويات خاصة ومنتجات معيّنة. وتبقى هناك حاجة أكيدة إلى جميع مديري المكاتب وكل هؤلاء المبدعين لتلبية طلبات الزبائن ومختلف التصورات عمّا يريده المستهلكون، فجزء كبير من العالم لا يزال غير محدد، ممّا يعنى أنه يتوجب على الأخبار -على نطاق واسع أو حتى المطبوعة- أن تتسم بنفس هذه الدقة والتحديد.

ولا يمكن أن يكون هناك طبعة واحدة من بوزفيد وهافينغ بوست أو ميل أونلاين، حيث تترأس البوزفيد مثلا حوالي 10 نسخ عبر العالم لإعلانها الأصلي الخاص، ويمكن للهافينغ بوست أن يكون منحصرا في مدينة أو بلد، أما الميل أونلاين، مثل العديدين غيره، فإنه يعتبر أن العالم أجمع الناطق بالإنكليزية، من نيويورك إلى لوس أنجلوس إلى سيدنى، هو بيئته الطبيعية. ولكن العقبة الوحيدة في طريق هذا الانتشار هي أن الإصدارات تتطلب وجود المُمثلين والموظفين على عين المكان، ويحتاج هؤلاء الأشخاص إلى مرتبات.

مارتن سوريل: مدراء الصحف يفكرون في إمكانية سيادة الاشتراكات لمستقبلهم المهني

فأين يمكن أن نحقق التوازن بين إيرادات الإعلانات الإضافية وتكاليف الموظفين الإضافية؟ فمثلا يملك سوريل 3000 مكتب وتقوم حافظة مشاريعه بدفع تكاليف تلك الخدمة، ولكن مع بروز نماذج الأخبار على الإنترنت، لا أحد يقوم بدفع هذه المبالغ مباشرة.

وآخر خطة ابتكرتها صحيفة نيويورك تايمز لضمان استمرارها تمثّلت في المحافظة على جدار الدفع في مكانها (أي أن ما لا يقل عن مليون قارئ يدفعون الآن للتجوال خارجها) مع المواصلة في رفع عدد الصحفيين (حوالي 1300 شخص في غرف الأخبار). ومع ذلك، وفي ظلّ تراجع الإعلانات المطبوعة، فإنه سوف يتعين مضاعفة الإيرادات الرقمية من 400 مليون دولار سنويا إلى 800 مليون دولار بحلول العام 2020. وهو ما يمثل طبعا مهمّة شاقة جدا لمجال الإعلان ككلّ، ولكنه يعني أيضا تركيز تخصصها على الاشتراكات فى جميع أنحاء العالم.

لذلك فإنها تقوم بتحويل بعض الموارد بعيدا عن مجال الطباعة، وإعداد العاملين لتخصيص تغطية متواضعة فى مدن مختلفة. إذ يتم اعتبار كل اشتراك في جميع أنحاء العالم كمورد هام للإيرادات.

ولعلّ هذا الرهان الصعب هو تحديدا ما تحتاجه كباريات الصحف اليوم، في ظلّ تعثّر عالم الإعلان. وتملك صحيفة نيويورك تايمز ميزة رئيسية تتمثّل بـ1.1 مليون مشترك في نسختها الرقمية، بالإضافة إلى سمعة لامعة وقاعدة جغرافية، إلا أنها سوف تسعى الآن إلى تحقيق الأمن من خلال استهداف القراء حول العالم الذين لم يكونوا سابقا في مرمى أهدافها. فأوروبا قارة غنية تشمل 500 مليون شخص، منهم 100 مليون يجيدون القراءة والكتابة باللغة الإنكليزية. وكم منهم مستعدون للاشتراك في نيويورك تايمز الرقمية، إذا تم منحهم بعض الحوافز الإضافية؟ كم منهم، هم أهداف محتملة لأخبار أخرى عالية الجودة باللغة الإنكليزية؟ نعرف أن بعض منظمات الأخبار المعترف بها -على غرار مجلة الإيكونوميست والفايناشال تايمز- قادرة على إيجاد نموذج فعال حتى دون البايوال. ونحن الآن بحاجة إلى طريقة تمكن الصحف والمجلات الأقل شهرة من العثور على مكان للدفع في إطار بيئة لا تنفك تزداد خطورة. عليك أن تتخطى الحدود المعروفة، وهنا تكمن عجائب الإنترنت. لكن عليك أيضا أن توفّر مقترحات محددة وهوية خاصة. هذا هو، أهم تحديات عالم الأخبار في عصرنا.

هناك صحافة رائعة، وربما تقف مندهشا من جديد أمام جودة المشاركين في جائزة الصحافة الأوروبية. لم يكن هناك وقت أفضل للشراكات سواء في مجال جمع الأخبار أو في مجال التحقيقات.

ولكن كيف تستفيد من تلك الحقيقة والواقع أن عمالقة الأخبار اليوم قد تكون غوغل وأبل أو فيسبوك؟ هل يمكنك أن تتجاهل التهديد بإلغاء هيئة الإذاعة البريطانية “بى بى سى” على الإنترنت؟

18