المؤلفات وظلالها

السبت 2015/03/28

خلال قرون طويلة، عكف المؤلفون على تناول مؤلفات غيرهم، سواء بالشرح أو الاختصار أو التعليق، وشكل هذا النوع من المصنفات، القائم على وصف غيره، في لحظات عديدة، المجال الوحيد للتأليف. فهناك مؤلفون عرفوا فقط بشروحهم، وهناك مؤلفات اشتهرت بفضل الشروح التي تناولتها. للظاهرة أكثر من وجه، فسيادة الشروح وغيرها من مصنفات الوصف كانت تعبر أحيانا عن رغبة في إعادة إنتاج التراث الثقافي السابق، في خضم الحفاظ على الهوية الوطنية، خصوصا في الفترات المتسمة بوجود تهديدات خارجية.

كان المؤلفون يلجأون أيضا إلى شرح مؤلفات غيرهم كلما اقتربوا من مجال معرفي أو ديني لا يمنح كثيرا من حرية الاجتهاد أو لا يستحمل كثيرا من التأويل. ويشكل مجال التوحيد نموذجا لذلك، باعتباره مجالا للبحث في إثبات العقائد الدينية، مع احتفاظه بنقط تقاطع مع علم الكلام. ونجد، في هذا الإطار، أن العدد الأكبر مما أنتجه المؤلفون المغاربة، على سبيل المثال، في هذا المجال هو شروح أو حواش على ثلاثة مؤلفات، تتجلى في عقيدتي السنوسي، الصغرى والكبرى، والرسالة لابن أبي زيد القيرواني. وهي المؤلفات نفسها التي حظيت، خلال قرون، باهتمام كبير على مستوى برامج التدريس بجامعة القرويين، حيث كان حفظها أمرا ضروريا للطالب الراغب في خطة القضاء.

وهمّ الأمر نفسه الإنتاج في الفلسفة وعلم الكلام والمنطق، حيث يكاد يغيب التأليف، خارج حالات معدودة. وارتبط ذلك بحرص مكونات السياق الديني على استمرارية بنية ثقافية دينية تبحث باستمرار عن توحدها المذهبي أساسا. وهو الأمر الذي يفسره بوضوح صدور منشور محمد بن عبدالله سنة 1789، والموجّه إلى المدرسين بجامعة القرويين، حيث يرد في فصله الثالث “ومن أراد أن يخوض في علم الكلام والمنطق وعلوم الفلاسفة، وكتب القصص فليتعاط ذلك في داره مع أصحابه الذين لا يدرون بأنهم لا يدرون، ومن تعاطى ما ذكرنا في المساجد ونالته عقوبة فلا يلومنّ إلا نفسه”.

ثمة وجه آخر لهذا الحضور، يكمن في الاهتمام الكبير بشرح مؤلفات المشارقة. ويعطي ذلك صورة عن الحوار غير المتكافئ بين القطبين، بشكل بدا معه كما لو أن المغاربة كانوا يكتفون، أحيانا، بشرح ما ينتجه المشرق. كتاب الشفا للقاضي عياض شكل الاستثناء، إذ حظي بمئات الشروح المشرقية، مما دفع بالمشارقة إلى القول بأنهم لولا القاضي عياض لما عرفوا المغرب.

وبشكل مفارق لكل الاعتبارات السابقة، كان حضور الشروح دلالة على شحنة التواصل الذي نسجه المؤلفون بينهم والذي نسجته أيضا المؤلفات بينها. وهو تواصل مذهل تم بفضل شبكة معقدة لانتقال وتداول المعرفة قد تضاهي شبكات الفيسبوك والبلوغات، التي تبدو أحيانا كمقبرة جماعية للنصوص، بفعل تخمة التواصل.

كاتب مغربي

17