المئة الأوائل

الجمعة 2013/09/06

وضعت صحيفة الغارديان البريطانية قائمة بمئة شخصية ممن هم الأكثر تأثيرا في وسائط الإعلام المعاصرة، والقائمة لا تقتصر على صحفيين ومحاورين في الصحافة المكتوبة والمرئية، بل ممن يشاركون في البرامج الفنية والسياسية.

ولا يمكن التعويل على قيمة القائمة كاختيار نهائي وفق التقويم المفرط بالتفاؤل، بل هي وفق كل الأحوال «فكرة» صحفية تمثل الجريدة التي تحسب على الصحف الراقية.

ويبدو من الأهمية بمكان تسليط بعض الضوء على نيك روبنسن الشخصية التي جاءت في المرتبة الثلاثين في هذه القائمة، ومحاولة إيجاد معادل عربي له، في مسعى أعترف مقدما بأنه غير قابل للتحقيق بيسر، ولا يتحمل أسبابه قطعاً الصحفي العربي وحده.

المعادلة هنا افتراضية، على أمل أن تسنح الفرص أمام الصحفي العربي، مثلما كان روبنسن محظوظا في حيـــــاته العملية.

فـ«نيك روبنسن» الذي بدأ العمل في «بي بي سي» عام 1986، توحي هيئته لمن لا يعرفه بتساؤلات متراجحة، ربما لعدم تغييره نظاراته السميكة وعدم تردده في إطلاق الأسئلة الواضحة على القادة وتكرارها حتى يصل إلى الجواب الذي لا يقبل اللبس.

هو ليس بمحرر ديسك مع أنه يشغل وظيفة تناهز رئيس تحرير في أعرق تلفزيونات العالم، نادرا ما يكون داخل الأستوديو، بل ينقل الخبر وتداعياته من مبنى الحكومة البريطانية، ويسافر مع رئيس الحكومة في جولاته العالمية دون أن يبدي أي تهاون أو مجاملة لأنه مثلاً على متن طائرة رئيس الوزراء.

لم يسمح له مرة السفر مع فريق رئيس الوزراء ديفيد كاميرون في جولة إلى بلدان الشرق الأوسط، سوغت حينها الأسباب باستياء الحكومة من خفة الصحافة! لكن روبنسن وصف قرار الحكومة البريطانية بالذهاب أبعد مما كان متوقعاً.

وقال «لقد كان هناك دائما توتر بين الصحفيين والسياسيين بحكم رغبتهم في السيطرة على وسائل الإعلام وإخضاع المراسلين لخطابهم السياسي».

وأكد على أن الحاجة ستبقى قائمة إلى مرافقة رئيس الحكومة في سفراته الخارجية لإيصال صورة محايدة.

أسئلته حيادية واضحة، متفقة مع ذهنية المتلقي لا تمرر ما تريده الحكومة ولا تنحاز لخطاب معارضيها، وغالبا ما يضع الأسئلة الاستباقية لتداعيات الخبر دون أن يفترض إجابة محددة.

لم يشعر نيك روبنسن بالفخر وهو يحصل على اعتراف واضح من الرئيس الأميركي السابق جورج بوش بأنه يدرك سوء الأوضاع في العراق بعد احتلاله، لكن المهنية الصحفية تشعر بهذا الفخر لأن أحد أهم منتسبيها حصل على هذا الاعتراف الأكثر طلباً حينها.

وعندما واجه المدير العام لهيئة الإذاعة البريطانية في ندوة مفتوحة، قال إن الهيئة لم تعد تدافع عن الصحفيين كما ينبغي، مؤكدا أن جميع الخدمات الإخبارية في قنوات «بي بي سي» ستبقى محايدة، ومطالباً في الوقت نفسه السماح لوجهات النظر التي توصف بـ»المتطرفة» بالبث ضمن قواعد الحياد القائمة حالياً.

وفي كل الأحوال، الفرص التي سنحت لنيك روبنسون والتدريب والاطلاع والاحتكاك بخبرات ممن سبقوه، وقبلها الاستقرار الذاتي، جعلت منه «صحفيا» بهذا المستوى، وهي تجارب لم تسنح لأهم صحفي عربي معاصر، لكننا سنبقى نعول على المستقبل في إعلامنا العربي.

18