المئوية الأولى على إبادة الأرمن.. عندما تحارب تركيا الزمان والإنسان

الاثنين 2015/04/20
إبادة 1915 جرح مفتوح في ذاكرة الأرمن وقلوبهم

تطوي حادثة إبادة الأرمن على يد الجيش العثماني مئويتها الأولى، ولا يزال العثمانيون الجدد كما القدامى ينكرون التاريخ والواقع، ولا يزال الأرمن متمسكين بضرورة انتزاع الاعتراف التركي بـ”الجريمة الكبرى”، وبين هذا الطرف وذاك تتغّير الأرقام وتتبدل الاتهامات.

تبسط شواهد التاريخ والسجلات العسكرية للجيوش المشاركة في الحرب العالمية الأولى مشاهد لجريمة بشعة ونكراء بدأت عبر “فرمان” عثماني صادر بتاريخ 24 أبريل سنة 1915 بإعدام المئات من أهم الشخصيات الأرمنية في إسطنبول بساحات المدينة، وذلك بعد شبهات بدعمهم للروس وللثوار الأرمنيين خلال الحرب العالمية.

وتؤكد المصادر التاريخية أنّه بعد تلك الحادثة أصدر أمر إلى جميع العائلات الأرمنية في الأناضول، بترك ممتلكاتها والانضمام إلى قوافل “الموت” التي تكونت من مئات الآلاف من النساء والأطفال، محرومة من المأكل والملبس في طرق جبلية وعرة وصحراوية قاحلة. وقد مات خلال حملات التهجير هذه حوالي 75 بالمئة ممّن زجّ بهم في أتون “القوافل” وترك الباقون في صحارى بادية الشام يواجهون مصيرهم المجهول.

وتؤكد صحيفة “نيويورك تايمز″ في عددها الصادرة في 15 ديسمبر 1915، “أنّ مليون أرمنيّ قتلوا أو تمّ نفيهم على أيدي الأتراك”، مشيرة إلى “أنّ هذه المذابح تسببت في هجرة الأرمن إلى العديد من دول العالم ومن ضمنها سوريا، لبنان، مصر والعراق”.

ومنذ ذلك الوقت، بقيت الذاكرة الجمعية الأرمنية على موقفها بأنّ الذي حصل ضدّها من قبل الأتراك يعدّ جريمة في حقّ مجموعة بشريّة تقدّر بمليون ونصف المليون أرمني، في حين ظلت تركيا “القومية العثمانية” –سواء كانت سليلة الباب العالي أو أصيلة الجمهورية الأتاتوركية- مكابرة على الحقّ والحقيقة التاريخية، مدّعية أنّ عشرات الآلاف فقط من الأرمن لقوا حتفهم إبّان سنة 1915، وأنّ موتهم يعود لحروب أهلية بين الأقليات الهوياتية وألاّ علاقة لتركيا بتلك المجازر.

1مليون أرمني قتلوا أو تم نفيهم على أيدي الأتراك وفق ما أعلنت عنه صحيفة «نيويورك تايمز» سنة 1915

عقبة أمام نيل العضوية الأوروبية

لأكثر من ثلاثة عقود على الأقل بقيت الجريمة التي مورست في حقّ الأرمن حبيسة “سجال الأرقام” إلى حدود سنة 1944، حيث ابتكر الخبير القانوني البولوني، رافايل لمكين، لفظة إبادة “جينوسيد” المشتقة من المفردة اليونانية “جينوس”، التي تعني العِرْق، والملحقة بالمفردة اللاتينية “سيد”، من فعل “ساديري”، أي “قتل”.

وتؤكد المصادر القانونية في هذا السياق أنّ مصطلح “الإبادة العرقية”، اُجترح خصّيصا لتعريف الجريمة التي حصلت ضدّ الأرمن، قبل أن يقع تبنّي المصطلح من طرف اتفاقية الأمم المتحدة سنة 1948.

ومنذ ذلك التاريخ، عمل الأرمن على التعريف بـ”الإبادة” التي استهدفتهم، وعلى نيل الاعتراف الدولي بها، الأمر الذي مكّنهم من كسب إقرار صادر عن 21 دولة بـ”المذبحة الأرمنية” وعدد من المنتظمات الدولية، على رأسها الأمم المتحدة والبرلمان الأوروبي، هذا الأخير الذي طالب أنقرة بالاعتراف بالفظائع التي ارتكبتها إبّان السلطنة العثمانية بحقّ الأرمن معتبرا إيّاها صراحة “إبادة جماعية”. ودعا البرلمان الأوروبي تركيا، على إثر ذلك، إلى فتح سجّلاتها التاريخية أمام الباحثين للتنقيب في حقيقة ما حصل حتّى يتمّ استيعاب دروس الماضي.

ويبدو أنّ الرسالة الأوروبية للأتراك تحمل مضامين سياسية غاية في الأهميّة، لعلّ من بينها أنّ مجلس بروكسل لا يزال مصرّا على اعتبار ملفّ “الإبادة الأرمنية” واحدا من بين الملفات الأكثر حساسية في ملف قبول تركيا في المنتظم الأوروبي، وأنّه طالما أنّ أنقرة تغرّد خارج السرب الأوروبي في هذه القضية، فإنّ أبواب بروكسل ستظلّ موصدة أمام تركيا “العثمانية بثياب الجمهورية”.

وهنا يؤكد الدارسون لملفّ ترشح تركيا لدخول النادي الأوروبي أنّ الملف الأرمني يعدّ، رفقة “الملفّ الكردي”، واحدا من أصعب المسائل التي لابدّ لأنقرة أن تميط اللثام عن الحقائق المحيطة بها حتّى يتمّ قبولها في النادي الأوروبي، لاسيّما وأنّ قادة تركيا الجدد لم يظهروا من المراجعة النقدية ومن القراءة العميقة للتاريخ الحديث ما يُشجع دوائر اتخاذ القرار في الاتحاد الأوروبي على قبول عضوية تركيا.

عوائق الاعتراف

يرى عدد من الدارسين والمتابعين أنّ ملفّ اعتراف تركيا بـ”الإبادة الأرمنية” تحول دونه ثلاثة عوائق على الأقلّ تتلخص في التالي:

* العائق الأوّل: يتمثل في العائق النفسي، حيث أنّ فكرة “العنصر التركي” ومبدأ “النقاء التاريخي” مسيطرة على العقل التركي (هنا بالتحديد تسقط الاختلافات والتباينات السياسية بين الإسلاميين والديمقراطيين)، وبالتالي فإنّ المنظومة النفسية التركية المنبثقة من “تعالي الباب العالي” تحُول دون إقرار العثمانيين الجدد بحقيقة إقدام العثمانيين القدامى على إبادة عرقية لمجموعة بشرية كاملة.

* العائق الثاني: يتجسّد في استتباعات الاعتراف، حيث أنّ الإقرار بالإبادة الجماعية يفترض وجود تعويض معنوي ومادي للضحيّة وتسليط عقاب على المجرم (وهو ذات الأمر الذي أقدمت عليه ألمانيا لصالح اليهود ضحايا ما يسمى بـ”الهولوكست” ولئن أتمت برلين التعويض المادي فإنّ التعويض المعنوي لا يزال يلاحقها إلى يوم الناس هذا)، ويبدو أنّ أنقرة غير مستعدة لا للتعويض المادي للأرمن نظرا للعدد الكبير للمتضررين ولا للتعويض المعنوي الذي سيصبح “وصمة عار” في جبين “الخلافة”، خاصة في ظل سعي حكام تركيا اليوم الدائم إلى إحيائها تحت عناوين مختلفة، ناهيك عن معاقبة الواقفين وراء تلك “المحرقة” الأرمنية.

أنقرة حزمت أمرها بقبول "وخز" الضمير الدولي على إثارة موضوع حساس قد تكون له تداعيات خطيرة ماديا واعتباريا وجغرافيا

وعلى الرغم من أنّ الإنكليز عند دخولهم إلى إسطنبول في 13 نوفمبر سنة 1919، أثاروا المسألة الأرمنية، وقبضوا على عدد من القادة الأتراك لمحاكمتهم، إلاّ أنّ معظمهم هربوا فحكم عليهم بالإعدام غيابيا، ولم يتمّ إعدام سوى حاكم “يوزغت” بجرم “إبادة مئات الأرمن في بلدته”، ولكن يبقى هذا العقاب محصورا على مستوى الزمان والإنسان والمكان، ولم ينسحب على المجرمين ككلّ، ناهيك أنّه لا يحمل في طياته مضامين “الاعتراف والإنصاف”، لأنّه جاء على يد “الاحتلال” البريطاني لتركيا.

* العائق الثالث: يتجسّم في رفض تركيا لإثارة موضوع تاريخي حساس له علاقة محورية بأحقية الأرمن في أراض تقع شرق تركيا جدّ فيها تطهير عرقي كامل وتغييرات ديمغرافية جذرية إبان الحرب العالمية الأولى لاعتبارات عسكرية مرتبطة بالروس.

وكان المدعي العام، اغفان هوفسيبيان، قد أكّد سنة 2013 أنّه على الأرمن استعادة “أراضيهم السليبة”، في شرق تركيا، مُتقاطعا مع سفانت كورنل، مدير البحوث في معهد آسيا الوسطى والقوقاز، الّذي طالما أكّد أنّه “سيكون من الصعب على مسؤول سياسي أرمني أن يؤكد أنّ ليس لأرمينيا أيّ مطالب على صعيد الأراضي”.

لذلك يبدو أنّ أنقرة حزمت أمرها بقبول “وخز” الضمير الدولي على إثارة موضوع حساس قد تكون له تداعيات خطيرة ماديا واعتباريا وجغرافيا، وبالتالي فهي تغلق الباب أمام “جبهة” انفصالية جديدة – بعد الجبهة الكردية- قد تشتعل على وقع الاعتراف بـ”الإبادة الأرمنية”.

وحيال هذه المشهدية، لا تزال أنقرة ترفض مجرّد الخوض في القضية الأرمنية، معتبرة أنّ الذي حصل هو “اغتيالات” واسعة، نظرا لوجود حرب أهلية في تلك المناطق متبوعة بتفشي أمراض معدية خطيرة، ما أدّى إلى وفاة مئات الآلاف من الأرمن، دون أن تقبل بـ”تلطيخ” صورة الباب العالي أو “فرمان” السلطان عبدالحميد، بدماء الأبرياء من الأطفال والنساء في صحارى الشام، سوريا الآن.

موقف عربي يناقض نفسه

عدم اعتراف العرب بالإبادة يتناقض مع مطالبتهم بتجريم الاحتلال

الغريب في هذه المسألة أنّ كافة الدول العربية والإسلامية –باستثناء لبنان– لا تعترف بـ”الإبادة الأرمنية”، وكأنّ “فرمان السلطان” على حاله حيال دوائر اتخاذ القرار في العواصم العربية. ووصف هذا الموقف بـ”الغريب”، ينبع من كون القضية مُرتبطة بإقرار حيال تاريخ حاصل وليس تاريخا مفبركا أو مختلقا أو مخترقا، وهو كذلك متأتّ من كون أنّ الدول العربية التي تبتغي إقرارا دوليا بجرائم الاحتلال الفرنسي والبريطاني والإيطالي والأميركي، وحتّى التركي على أراضيها، لابدّ لها أن تتضامن مع باقي الشعوب المظلومة التي رزحت تحت ذات المظلمة الاستعمارية.

وهو ما يطرح مفارقة مفادها؛ كيف لدول تريد أن تحظى بتأييد دولي واسع بحقّها في مقاضاة المحتل ومتابعته حيال جرائمه “النووية” في الجزائر، والاغتيالات في حقّ النقابيّين والرموز السياسية النضالية في كلّ من تونس ومصر وسوريا، وتفكيك مؤسسات الدولة ونهب ثرواتها شأن العراق الحديث، أن تتردّد في الإقرار بـ”إبادة” حصدت تجمّعا بشريّا برمّته.

وكيف لدول عربية كثيرة على غرار العراق ومصر وليبيا وسوريا التي تعاني اليوم الويلات من العنجهية التركية والصلف العثماني حيال دعم الإرهابيين وتأجيج الأوضاع الداخلية وإغراق الساحات المحلية بالسلاح، أن ترفض التقاطع مع “الضحيّة الأرمنية”، ضدّ ذات “الجلاد التركي”.

وهنا أيضا يقف الإخوان المسلمون في كلّ العالم الإسلامي موقف التناقض الكاشف لنفاقهم السياسي والأخلاقي أيضا؛ فلئن كانت دموع الإسلاميين تُسكب يوميا على ضحايا الاستبداد والفساد (على حدّ زعمهم)، فإنّ ذات الأفواه تخرس هذه المرّة لا حيال جرائم سياسية وإنّما حيال إبادة مكتملة الأركان. فأن تَقِفَ “ماكينة” الإخوان عن إصدار البيانات التنديدية بـ”الجلاد”، لهو برهان على أنّ التضامن مع الضحايا لا يكون إلاّ بفرمان عثماني تركي، وهو دليل أيضا على ازدواجية المعايير لدى الإخوان، ناهيك عن أحادية القرار بين “إسطنبول” وفروع التنظيم الدولي للجماعة.

الثابت إذا من خلال المأساة الأرمنية والمكابرة التركية، أنّ التأريخ (l’historicité) واحد، والتاريخ (l’histoire ) مُتعدّد، ولكن لا يمكن بأيّ حال من الأحوال نفي الحقيقة من أجل الأيديولوجيا، ولا يمكن أيضا القفز على الماضي من أجل مصالح الحاضر، كما لا يمكن أيضا لتركيا اختلاق تاريخ “نقي” على أنقاض من الأراجيف والأكاذيب.

7