الماجل والمسقاة يرويان ظمأ العطشى في الجنوب التونسي

الأربعاء 2015/01/07
يصل عمق"الماجل" إلى ما بين 5 و6 أمتار، بينما تستغرق عملية حفره 20 يوما أو أكثر

صفاقس (تونس) – لا يكاد يخلو بيت من بيوت محافظة صفاقس التونسية القديمة من “الماجل” الذي توارث التونسيون تقاليد بنائه جيلا بعد جيل، حيث يتم تخزين مياه الأمطار فيه خلال فصل الشتاء لاستخدامها في فصل الصيف.

منذ سنوات خلت وإلى الآن اعتاد عبدالرزاق بوجلبان، على حمل المجرفة والمعول والمضي باكرا نحو العمل، فمنذ نعومة أظافره تلقن على يدي أبيه وجده مهنة حفر “المواجل” التي تصارع من أجل البقاء في مدينة صفاقس، جنوب تونس.

وكلمة “ماجل” يقصد بها منشأة لتخزين مياه الأمطار والماجل عبارة عن حفرة تتسع في الأسفل وتضيق تدريجيا نحو الأعلى، فهو شكل مشابه لشكل القارورة، ويتراوح عمق الماجل بين 4 و6 أمتار فأكثر. كما يطلق بعض أهالي الجنوب التونسي كلمة “فسقية” أيضا على “الماجل”.

وعادة ما يلجأ أصحاب “الماجل” في كل بيت صفاقسي إلى استعمال المياه المخزنة في فصل الصيف حين ترتفع درجة الحراراة، حيث يتم استخراجها للشرب باردة، أو رشها في وسط البيت لتلطيف الجو جراء قيظ الحر، أو لغسل الثياب والأغطية التي تستعمل في الشتاء.

وتحيط بـ”الماجل” “مسقاة” وهي مساحة مسطحة تهبأ حوله تتجمع فيها مياه الأمطار ثم تنساب داخله، وعندما يكون “الماجل” داخل المنزل أو محاذيا له يأخذ سطح المنزل دور “المسقاة” لتتجمع فوقه مياه الأمطار ثم تنزل بواسطة ميزاب يربط السطح بـ”الماجل”.

والميزاب هو قناة أو ماسورة عمودية من البلاستيك أو الحديد تستعمل لتوجيه تدفق مياه الأمطار المتراكمة على الأسطح نحو “الماجل” أو إلى الخارج في صورة عدم وجود “ماجل” ومنعها من الانحدار على طول الجدران وإلحاق الضرر بالأساسات.

ويتكون “الماجل” عادة من ثلاثة عناصر مهمة، هي ”المسقاة” أو “السطحة”، و”الدخالة” التي يدخل منها الماء، و”الخراجة” التي تخرج منها المياه الزائدة عن طاقة استيعاب الماجل.

"الماجل" المستدير داخل أحد البيوت القديمة في صفاقس يشبه البئر في شكله الخارجي

وتتواجد “المواجل” بأعداد كبيرة بمحافظة صفاقس التونسية حتى أن المرء يكاد يجد في كل منزل “ماجلا” ممتلئا بمياه الأمطار.

ويحفر “الماجل” بطريقة يدوية تقليدية لم يطرأ عليها تغيير كبير منذ عقود خلت، حسب عبدالرزاق بو جلبان المتخصص في حفر “المواجل”.

ويوضح بوجلبان أنه “لا يكاد يخلو بيت واحد في محافظة صفاقس من وجود “الماجل” الذي يحفر بطريقة مدروسة ومتوارثة جيلا عن جيل، حيث تنطلق عملية الحفر بشخصين يقومان في البداية بحفر مترين مربعين بواسطة المعاول، وعند الوصول إلى العمق المحدد، يبقى أحدهما داخل الحفرة ويخرج الثاني لإنزال “الشارية” (وهي وعاء يعبأ بداخله التراب) بواسطة آلة الإنزال التي تسمى لدى التونسيين “البالانكو”، حيث تثبت هذه الآلة في وسط عدد من الأخشاب المتينة التي توضع في شكل مثلث يبنى فوق الحفرة أو بشكل متعامد معها”.

ويلتف حول “البلانكو” حبل تربط في نهايته “الشارية” ويترك الحبل لتنزل “الشارية” داخل الحفرة وعند ملئها بالتراب بواسطة المجرفة يقوم الشخص الذي خارج الحفرة بشد الحبل وجذبه نحو الأعلى ومن ثمة تلقي الشارية وإفراغ ما بها من تراب، وتتكرر هذه العملية عدة مرات حتى يصل عمق الحفرة إلى ما بين 5 و6 أمتار وقطرها في الأسفل إلى ما بين 2.5

و3 أمتار. وفي كل 1.5 متر من العمق يضاف عامل جديد إلى فريق العمل حتى يبلغ العدد في نهاية المطاف 4 عمال فأكثر يتبادلون الأدوار فيما بينهم بين الحفر وملء “الشارية” وجذبها نحو الأعلى.

وغالبا ما يربط العمال قرابة عائلية، حسب ما جاء على لسان عبدالرزاق بو جلبان، حتى يحافظوا على بقاء مهنة حفر “المواجل” لدى عائلات عرفت بممارسة هذه المهنة منذ عقود.

وعند الانتهاء من عملية الحفر التي تستغرق 20 يوما فأكثر وإخراج ما بداخل الحفرة من تراب يقع إنزال الحجارة ومن ثمة الإسمنت بواسطة “البلانكو” وتبدأ عملية البناء من الأسفل إلى الأعلى بإنجاز 1.5 متر كل يوم بوضع الحجارة الواحدة بجانب الأخرى في شكل دائري وبين كل صف وصف من الحجارة يوضع الإسمنت للتثبيت الجيد ويترك ليجف.

وعند الانتهاء من البناء الذي يستمر من 3 إلى 4 أيام، حسب بوجلبان، تبدأ عملية تبليط القاع بوضع قطع من الحجارة الصغيرة وترصيفها في القاع و من ثمة سكب الإسمنت عليها وتلييسها به بإحكام نظرا إلى أهمية القاع في احتواء الماء فيما بعد ومنع تسربه.

ويستمر فيما بعد تخليط الإسمنت والرمل والماء خارج الحفرة وإنزاله كالعادة سطلا بسطل بواسطة “البلانكو”، لتبدأ عملية تلييس الجدار الدائري بالأسمنت بطريقة محكمة ومنتظمة حتى لا تترك بعض الشقوق أو الحفر التي قد يتسرب منها الماء فيما بعد ويحدث أضرارا داخل “الماجل” تصل إلى حد إفراغه من الماء وتجفيفه ومن ثم إصلاحه.

يوضع على مستوى الأرض ميزاب آخر يربط "الماجل" بالخارج

ومع إتمام العمل داخل “الماجل” تتحول الأيادي إلى تبليط سقف “الماجل” ومن ثمة رفع الجدران أعلاه ببناء جدار مستدير أو مربع الشكل، حسب طلب الحريف، يرتفع عن سطح الأرض مترا واحدا بالحجارة أو بالآجر ثم تلييسه ووضع بوابة صغيرة في الأعلى تنزل منها “الركوة” (أداة تستعمل لغرف الماء من “الماجل” ) لملء الماء الذي يدخل إلى “ماجل” عبر عدد من “الميزابات” التي تربط من جهة بسطح المنزل ومن جهة أخرى بجوانب في أعلى جدار الماجل.

كما يوضع على مستوى الأرض ميزاب آخر يربط “الماجل” بالخارج حتى إذا امتلأ الماجل بالماء لا يبلغ أعلى السطح ويخرج عبر ذلك الميزاب تجنبا لتصدع “الماجل” أو فيضان الماء بداخله.

وأوضح بوجلبان أن “هناك نوعين من ‘المواجل’، منها المستدير ومنها مربع الشكل، وتبقى ‘المواجل’ مستديرة الشكل الأفضل لسهولة إصلاحها إذا تعرضت لشقوق عكس ‘المواجل’ المربعة”.

وختم بالقول: “يستمر العمل لإنجاز ‘ماجل’ متكامل الخصائص ما يناهز الشهر ونصف الشهر، وتبلغ التكلفة الجملية لإنجازه 5 آلاف دينار (حوالي ألفي دولار)”.

يذكر أن “الماجل” أو الفسقية يوجد في أغلب البيوت القديمة بمدن الجنوب التونسي مثل جربة وجرجيس ومدنين وقابس.

20