الماركسية والتكنوقراطية

الخميس 2014/01/09

وأنا حائرة أنظر لـ”شعدون” وهو يسن قوانين يدعوها بالكلاسيكية لكل فعل سياسي، وأقلب هيئته النحاسية، وأتساءل عن كينونته! وأحاول أن أحدّد اللغة التي أتحدّث بها معه، متأرجحة بين الفيزياء والسياسة، نظر إليّ وقال: تحدّثي معي بلغتك، ليس بالمعنى الحرفي للغة لكن بالمعنى الثقافي لها، حيرني أكثر فهو يستطيع أن يقرأ أفكاري، ولأن من طبعي أن لا أسير خلف الحيرة طويلا، تحدّثت إليه بشكل مباشر: كل ما تقوله هو آراؤك وتحليلاتك بناء على خلفيتك الفيزيائية، لكنك لم تقدّم قانونا واحدا في الفيزياء السياسية صاغه ساسة معروفون!

يحب شعدون جدلي، لأن له أسئلة تطيل أمد ميكروفون الكلام في يده، لذلك دوما يجيب عليها بحماس: بل هناك نظريات ومذاهب سياسية متكاملة قامت بأسلوب العلوم البحتة، وتدرّس في أقسام السياسة بجامعات العالم كافة، أهمّها الماركسية والتكنوقراطية. وقبل أن أشرح هذا أودّ أن أضيف أن المنظرين في العلوم هم العلماء، ومقرّ تجاربهم المختبرات، والمنظرون في السياسة هم صانعو القرار، ومجرى تجاربهم الشعوب المستضعفة، وهذا ينطبق حتى على الدول الديمقراطية.

وتابع: الماركسية -وفقا لمنظريها- أول نظرية سياسية قامت على مبادئ علمية، متخذة الأسلوب التحليلي في طريقة معالجتها للأمور الاجتماعية المتضمنة للسياسة والاقتصاد، بالرغم من أن منظريها -كارل ماركس وفريدريك إنجلز- فيلسوفان وليسا عالمي فيزياء. ولو عدتِ إلى المراجع الماركسية فستجدينها تقدم أمثلة علمية للقوانين الماركسية، بل إنها تعرف مفاهيم العلوم البحتة أثناء تعريفها للماركسية.

وللتوضيح سأشرح لك قوانين الماركسية الثلاثة، الأول: قانون نفي النفي، وهو نفي جدلي، ويعني أن كل مرحلة تجبّ ما قبلها، ويضرب تطور حياة الفراشة كمثل، فخروج الشرنقة من البويضة، ينفي مرحلة البويضة، ونضج الفراشة ينفي مرحلة الشرنقة، أي أنه نفى النفي، وتأهلها للتزاوج ينفي النفي الثاني.. الخ، ومثال هذا أن مجتمعات العالم قبل الحرب العالمية الثانية غيرها عن بعد الحرب، وفترة السبعينات مختلفة عن الستينات، وسياسات الدول العربية الخارجية مختلفة عما كانت عليه قبل ثورات الربيع العربي، فكل حقبة زمنية جبت ونفت ما قبلها.

والقانون الثاني: وحدة وصراع الأضداد، أي أن كل ظاهرة تحمل في طياتها بذور فنائها، ويعتبرون هذا القانون أساس التغير في المجتمعات، ويستمدون مثالهم من مكونات الذرة، التي تتكون من أضداد متفاوتة الشحنات بين سالبة وموجبة ومتعادلة، كما هي في أي ظاهرة اجتماعية، وأنا أرى أن الأضداد بصراعاتها تنتهي بالاستقرار، كما هو استقرار الذرة وتوازنها بوجود مضادتها، ولو ضربنا مثلا بالمجتمعات الغربية فهي تحمل داخلها أضدادها من المهاجرين، المختلفين في لغاتهم وثقافاتهم، إلا أنها متوازنة معهم.

قاطعته: وهذا حال الأجانب بالمجتمعات الخليجية، متفقين على العيش بسلام. بينما ما حمل في طياته بذرة فنائه هو النظام الاشتراكي (الماركسي)، فأهم أسباب انهيار الاتحاد السوفيتي هو تساوي الأشخاص الذين يعملون والذين لا يعملون في مقدار الدخل، مما جعل الجميع يفضل أن لا يعمل!!

أيدني بإيماءة منه وأكمل: أما مثال قانون تحويل الكم إلى كيف، فمأخوذ من الماء وتغيير صفاته، فحين يسخن الماء يتحول من سائل إلى بخار، مؤكدين أن عمليات التغيير بطيئة، فالماء لا يتبخر أو يثلج فجأة بل بالتدريج، وهكذا هي المجتمعات تتغير بالتدريج، كما حال مجتمعات دول الخليج، التي تغيرت ببطء منذ سبعينيات القرن العشرين بعد ظهور البترول، أما بعد أحداث 11 سبتمبر، فتغيرت أمور جوهرية وبوتيرة أسرع مما كانت عليه في الثلاثين سنة التي سبقتها.

أخذ نفسا عميقا وكأنه يضع فاصلا بين فكرتيه، واسترسل يقول: إن كانت الماركسية ترعرعت في القطب الشرقي للعالم الأول (الاتحاد السوفيتي)، فإن التكنوقراطية نشأت في القطب الغربي منه (الولايات المتحدة الأميركية)، بفارق 80 عاما بين ظهورهما.

والتكنوقراطية نظام سياسي نتج عن حركة بدأت عام 1932، أسسها هاورد سكوت في فترة الكساد الأميركي الكبير، مطالبا أن يحتل الخبراء مراكز القرار الحساسة، لكنها تراجعت لاحقا بسبب الإصلاحات الاقتصادية التي قام بها الرئيس الأميركي روزلفت. ولقد استخدم هذا المصطلح في مناسبات متفرقة، قبل أن يظهر لأول مرة في مقال لمهندس من كاليفورنيا يدعى وليام هنري سميث عام 1919، دعا فيه للديمقراطية في المجال الصناعي، لكن المصطلح تحول لاحقا ليعني الحكم التقني أي الاستعانة بالعلماء لحل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية لأن أدمغتهم صممت لحل المعضلات، ثم تطور ليعني حكم الكفاءات.

تدخلت قائلة: كما في تونس بعد ثورة الربيع العربي، فمعظم شعبها متعلم، بينما جيشها ضعيف، لذلك سيطر على البلاد فيها التكنوقراطيون بالرغم من أن سدّة الحكم في يد الإسلاميين.

ثم تابعت: باختصار هذا يعني أن الماركسية تفسر الظواهر الاجتماعية تفسيرا علميا، بينما التكنوقراطية تحل المسائل الاجتماعية والسياسة بأسلوب علمي، وهكذا سيطر الغرب على ثورات الربيع العربي، وفقا لشروحاتك السابقة.

16