الماركيز دو ساد شيطان أم ملاك

الأحد 2015/01/25
الفيلسوف الفرنسي ميشال أونفري: كتاب جديد عن دي ساد

أبنوس شلماني فرنسية من أصل إيراني، مخرجة ومنتجة أفلام قصيرة وصحافية، تقول إن قراءة الماركيز حررتها من كثير من العقد وفتحت أمامها آفاقا واسعة وهي معجبة بالكاتب أيّما إعجاب كما نلاحظ في كتابها المنشور أخيرا تحت عنوان “الخميني، الماركيز دو ساد وأنا”، بينما يرى الفيلسوف الفرنسي الشهير ميشال أونفري أن الماركيز مجرد إنسان منحرف ولا علاقة له بالتحرر الجنسي، بل هو إلى الإجرام أقرب. وكما فعل مع فرويد وغيره نراه يهدم الماركيز في كتاب صادر له أخيرا عنونه “الهيام بالـ( أو عشق) الأذى في ماركيز رباني مزعوم”. وعلى الرغم من اختلافهما الكبير في النظر إلى تراث الماركيز فإنهما يتفقان في وصفه بــ”المنحرف الجنسي”، من أجل الاستفسار أكثر طرحنا عليهما هذا السؤال المشترك:


العرب: كيف تفسرين الاحتفاء العظيم بذكرى مرور قرنين على رحيل هذا “المنحرف الجنسي”، الماركيز دو ساد؟



أبنوس:

في الحقيقة لم تكن الاحتفالية عظيمة، معرضان في باريس ، واحد في متحف الرسائل والمخطوطات وآخر في متحف أورساي ومعرض آخر في مدينة جنيف ولم تنشر كتب كثيرة احتفاء بالرجل وذكراه. السؤال هو لماذا لا يزال الماركيز دو ساد يثير ردود الأفعال، بعنف أحيانا ويستمر في سحر الألباب، وبغباء أحيانا. ولكنه يبقى دوما يطرح علينا أسئلة جدية. كان ساد منحرفا جنسيا وقد دفع مقابل ذلك عقوبة سجن مدتها 27 سنة كاملة. تدنيس، تجديف، لواط، جلد، ومختلف أنواع التعذيب.. ممارسات أرسلته إلى خلف القضبان في وقت كان العنف الممارس ضد الجسد (من طرف الإكليروس والقصر) أمرا مألوفا. يذكرنا ميشال دولون في كتابه “دراية العيش لدى المتحررين جنسيا” كيف كانت تخفى المفرقعات تحت المقاعد، وكيف كان العنف يمارس ضد الجسد ليس بين صفوف الشعب فحسب بل بين أفراد الحكم الملكي ذاتهم. الماركيز دو ساد كان منعزلا ، لم يكن يعيش بباريس وإنما في لاكوست. كان وحيدا قبل أن يرمى به في غياهب السجون.. لقد دفع ثمن أذواقه الجنسية الخاصة بقضاء جل عمره وراء القضبان.

ولم يعد مجديا أن نحكم عليه اليوم بل هو جدير بالقراءة وفهم تلك الهزة التي كان يمثل ولا زال. الرجل كائن أصيل، لا يمكن تجاهله. كان ضد الله وضد القوانين وضد طرق التفكير التي تريد الإنقاص من تفرد الإنسان وتميزه. ولذلك فقراءة ساد ممتعة جدا وكتاباته جديرة بأن تحلل وتفهم. هو مفكر الذات المتفردة بينما كان هدف فلسفة الأنوار ربط البشر في ما بينهم وهو ما يعطي معنى لعالمية حقوق الإنسان، في حين لم يكن الماركيز يؤمن سوى بالفردية، لأنه كان متجذرا في الشهوة وفي القوة اللامحدودة للحرية رافضا كل ما يعيق تحقيق الشهوات.
أبنوس شلماني: الخميني، الماركيز دو ساد وأنا

فقراءة الرجل لا تعني البحث عن أفكار أو أيديولوجيا وإنما هي طريق للتخلص من الأفكار المسبقة وللذهاب إلى أبعد نتائج ذلك المنطق الذي يعتبر أن الإنسان وحده، ذلك الكائن الذي يملك دماغا وجسدا هو الذي بإمكانه أن يتقدم ويجعل العالم يتقدم. وتلك هي خاصيته: مفكر العقل والجسد ساد يهز القارئ، يحرره، يجعله مريضا، ولكنه يفتح له مجال التفكير والتفكير بقوة.

أريد أن اختم بهذا المقطع من رسالة من رسائله إلى صديقته مادام دو روسي: “مخلوقات شفوية، مرمية لبرهة فوق هذا الكم التافه من الطين، لقد أطلق الحكم إذن بأنه ينبغي أن يكون نصف القطيع مضطهدا للنصف الآخر؟”.

جواب مختلف

ميشال أونفري: باريس يا صديقي هي قرية من قرى البادية، يعيش فيها بورجوازيون صغار ذوو بطون منتفخة عقليا يحتفظون فيها بمخزون من الأفكار المصطنعة المتفق عليها، من بينها فكرة تقول إن الماركيز دو ساد هو وجه ثوري من وجوه المدافعين عن الحرية والتحرر.. ولئن اعتقد هؤلاء الناس بأنهم يفكرون، فالحقيقة أنهم لا يفكرون أبدا إذ يكتفون بالاعتقاد بما فكر غيرهم قبلهم.

ولكن التكرار قبل التحقق والبحث لا يسمح بالوصول إلى معرفة بأن كثيرا من المفكرين القدامى كانوا على خطأ في تفكيرهم وهو ما حدث مع الشاعر أبولينير حيث صدّق هؤلاء ما قاله عن ساد لأنه كان عرّابا للوسط الباريسي وابن عرّاب وحفيد عرّاب. وها هو ساد يقدم اليوم من طرف هؤلاء الباريسيين على أنه مفكر ثوري هدام في حين هو يدرس في التعليم الثانوي وتطبع مؤلفاته وتوزع في طبعات فاخرة وفي طبعات جيب ونرى أعماله تعرض في المراكز الثقافية بباريس ويتم افتتاحها من طرف وزراء!

13