الماركيز دي ساد حبيس مصحّ للمجانين في باريس

محاكمة أخلاقية للماركيز الفرنسي تنتهي بتقطيعه إربا مع ذلك نرى أشلاءه تنتصر وتبعث فيها الحياة وتستمر يده بالكتابة ساخرة من كل سلطة على حرية التعبير.
الأحد 2018/02/25
مشهد للمركيز دي ساد: انتقاد مفاهيم الرقابة

لطالما كانت شخصية الماركيز دي ساد جذابة للباحثين والنقاد سواء بسبب نصوصه الإباحيّة أو سلوكه الشخصي والفضائح التي لاحقته وجعلته عرضة للاعتقال والملاحقة القضائيّة، إلا أن أهمية دي ساد تكمن في القيمة السياسية التي تحملها نصوصه، خصوصاً أنه من معاصري الثورة الفرنسيّة فكتبه تعتبر محاولة لتحدي سياسات الدولة التي تتحكم بالجسد البشري، فهو يسائل الخطاب السياسي العقلانيّ الذي يسعى لتقنين الجسد طبياً وعلمياً وتحويل اللذة إلى شأن سياسي، كما نراه في ذات الوقت يسخ من تاريخ العقلانيّة والفلسفة الغربيّة وأساليب تكوينها للطبيعة البشرية.

اكتسب الكاتب المسرحي الأمريكي دوغ رايت شهرة عالميّة بعد حصوله على جائزة البوليتزر عام 2004 للكتابة الدراميّة عن مسرحيته “أنا زوجتي”، كما عرف أيضاً بمسرحيّة “ريَش- quills” التي تحكي عن نهاية متخيلة لحياة الماركيز دي ساد، فالمسرحية التي تحولت إلى فيلم عام 2000 من إخراج فيليب كوفمان، تحضر هذا العام على خشبة مسرح الكولين في العاصمة الفرنسيّة باريس حيث يتحوّل جسد الماركيز إلى أشلاء تشهد على وحشية السلطة ضد من يخالف أخلاقها.

عرضت المسرحيّة للمرة الأولى عام 1995 في نيويورك، وهذا العام قام كلّ من روبيرت لوباج وجان بييار كلوتيّة بإخراج العرض وتصميم الفضاء، كما يؤدي لوباج دور الماركيز نفسه في أداء ساحر، فالعرض الذي يستمر لساعتين ونصف يشدّنا بداية بفضائه السينوغرافيّ، إذ نرى أنفسنا أمام مربع من مرايا شفافة أحياناً وعاكسة مرات أخرى، تحضر فيها أجساد الجمهور والممثلين في ذات الوقت، وكأن الجميع يراقب الجميع، ما يجعل فعل التحديق ومعانيه السياسية والأخلاقيّة حاضرة وتمارس سلطتها على جسد الماركيز نفسه حبيس المصح العقلي في شارنتون في ضواحي باريس.

نرى الماركيز في العرض أكثر براءة مما هو عليه تاريخياً، وأقرب لشهيد محمل بمعان أخلاقية عن الحرية بكافة أشكالها

توجّه المسرحيّة الانتقاد لمفاهيم الرقابة وسلطة التشفير التي تمارسها الدولة، فنابليون ذاته هو من أمر بمصادرة كل نسخ رواية جوستين التي كتبها الماركيز في المصحّ، حيث يُعامل المركيز بوصفه مريضاً، أما نصوصه الإباحيّة فليست إلا نتيجة خلل عقلي لديه، وهنا لا تحضر الرقابة فقط بوصفها رقابة على حرية التعبير، بل رقابة على الجسد وادّعاءات “الطبيعة البشريّة” الأخلاقيّة، وإثر اتحاد السلطات الدينية والسياسية والطبيّة يتحول جسد الماركيز إلى لحم طبيّ، تطبق عليه أشد أساليب العلاج وحشيّة وكأنه في مساحة تعطل فيها القوانين، ليتحول العلاج إلى وسيلة قمعية تمس الجسد نفسه، فإصرار الماركيز على الكتابة ولو حتى بدمه ليس فقط هوساً فردياً بالكتابة، بل دعوة للتحرر من الأخلاق والقيود السياسيّة وتحدياً لمحاولات التدجين التي خضع لها من قبل الكاهن الذي ظن أن الكتابة تساعد الماركيز على الشفاء.

التحديقة الطبية والسياسية والأخلاقية المتمثّلة بالقائمين على المصح، تعكس نفاقاً في داخلها، فالكاهن الذي يحاول علاج الماركيز يشتهي إحدى العاملات في المصح والطبيب مدير المصح عبد لشهوات زوجته، وكأن كل القائمين على علاجه قاصرون عن الجنس، وكتابات الماركيز تفضح قصورهم وشهواتهم الدفينة والمخبئة بحجة الأخلاق، وهذا ما يدفع القائمين لممارسة العنف المباشر على جسد الماركيز لإسكاته، إذ يبدأ الأمر بتعرية الماركيز، ثم قطع لسانه، ثم يديه وقدميه، ثم أعضائه التناسلية، لمنعه من الكتابة وإيصال نصوصه إلى الخارج، لنراه نهاية يتحول إلى أجزاء بشريّة موضوعة في صناديق ترفض زوجته المتحذلقة والسطحية حتى أن تأخذها للدفن، مع ذلك نرى أشلاءه نهاية تنتصر وتبعث فيها الحياة وتستمر يده بالكتابة ساخرة من كل سلطة على حرية التعبير.

نرى الماركيز في العرض أكثر براءة مما هو عليه تاريخياً، وأقرب لشهيد محمّل بمعان أخلاقيّة عن الحرية بكافة أشكالها بالرغم من أنه حقيقة من أشد الرافضين للقيم الأخلاقيّة، إلا أن العرض يكشف عن العنف المرتبط بتأسيس الدولة في فرنسا بعد الثورة الفرنسيّة، وتعيين نابلوين لنفسه إمبراطوراً لفرنسا، والهيمنة على البلاد هذه المرة باسم الجمهورية من جهة والقيم الأخلاقية من جهة أخرى.

14