الماضي المعقد

السبت 2017/08/05

لم تُسَجل في تاريخ الكتابة المغربية أعمالٌ أثارت نقاشا محتدما كما أحدثه صدور رواية “الماضي البسيط” لإدريس الشرايبي وسيرة “الخبز الخافي” لمحمد شكري.

تفاصيل كثيرة تفرق بين العملين؛ لغة الكتابة والعشرون سنة التي تفصل بينهما والانتماء الاجتماعي للكاتبين.

كان إدريس الشرايبي، بحكم انتمائه إلى عائلة بورجوازية، من بين المحظوظين الذين استكملوا مسارهم الأكاديمي. وفي فترة طفولته، كان يرى نفسه، كقرد صغير، بلباس أوروبي وبكثير من الكلمات والجمل داخل رأسه. وفي هذه الفترة بالضبط، اشتعلتْ داخله ثورتُه الصغيرة، حيث صار يتساءل كيف يعيش العمال، الذين يستخدمهم والده في أراضيه؟

محمد شكري كان في الضفة الأخرى، في صف العمال الذين يعيشون على قطع الخبز الحافي. عاش حياة الهامش بكل تفاصيلها؛ فقد اضطر شكري إلى ترك مسقط رأسه بالريف في الشمال المغربي المهدد حينها بالمجاعة، ليهاجر رفقة عائلته، قبل أن يقفل السابعة من عمره، إلى طنجة. هناك كانت تنتظره حياةٌ أقسى، اضطر معها إلى مزاولة الكثير من الأعمال، محروما بذلك من فرصة التعليم. وظل بذلك أميا إلى سن العشرين، ليتمكن بعد ذلك من تعلم القراءة والكتابة بشكل عصامي.

بالرغم من هذه الاختلافات في الحياة وفي الكتابة، ثمة خيط رفيع يجمع بين الرجلين وعمليهما. إنه انتماؤهما الوفي للكتابة. فقد راكم الرجلان، كل من جبهته، خلال حياتهما الأولى كشابين، كلَّ الأسباب التي يمكن أن تخلق منهما كاتبين ثائرين على كل شيء.

ولذلك كان عاديا أن يقطع الكاتبان من خلال عمليهما، مع الكتابة التقليدية المغربية، سواء المكتوبة منها باللغة الفرنسية أو العربية، ليقترحا نصين مختلفين من حيث بناءيهما، مُشْرعين بذلك الباب أمام تيمات جديدة، لم يكن يعهد بها الأدبُ المغربي، وفي مقدمتها سؤال الدين والجنس والهوية الثقافية وتصادم القيم الحضارية. ولذلك كان عاديا أن تتشابه مآلات العملين، “الماضي البسيط” و”الخبز الحافي”. فقد أجمع المغاربة والفرنسيون، الذين كان يفرقهم واقعُ الاستعمار، على رفض رواية “الماضي البسيط” والدعوة أحيانا إلى مقاطعته، خصوصا أن صدور الكتاب تزامن مع سياق سياسي استثنائي ارتبط بكفاح المغاربة من أجل عودة الملك محمد الخامس من منفاه. بينما تم منع “الخبز الحافي” بعد صدوره، بتحفيز من عالم محترم، حسب رواية غير مؤكدة.

بعد سنوات على صدورهما، ما زالت أسئلة “الماضي البسيط” و”الخبز الحافي”، والمرتبطة بشكل خاص بالجانب المجتمعي، تمتلك راهنيتَها داخل مشهد الكتابة بالعالم العربي. ذلك لأنه بخلاف الانطباع بأن المجتمعات العربية تعيش دينامية متسارعة، غير أنها في الواقع لم تحسم بعد في كثير من الجوانب المؤسِّسة لأي مشروع مجتمعي، سواء تعلق الأمر بالسلطة أو الدين أو الجنس.

كاتب مغربي

17