الماضي ضحية أخرى للصراعات في الشرق الأوسط

الخميس 2017/05/04
الآثار في قلب المعركة

بغداد – جعل تنظيم الدولة الإسلامية من أهدافه تدمير الأشياء التي يعتبرها “غير إسلامية”، ومن الأمثلة الأكثر درامية ما جرى ويجري في العراق وسوريا، على غرار هدم معبد بعل العظيم في مدينة تدمر السورية، وما لحق بآثار النمرود في العراق.

وتجري منذ أشهر عملية استعادة مدينة الموصل في شمال العراق بعد أكثر من عامين من حكم داعش. ومع تطور المعارك، يتطلع خبراء الآثار علماء التاريخ إلى ما بقي من آثار في المدنية متحسرين على المنحوتات الكثيرة التي دمرت والمكاتب التي أحرقت والأضرحة التي سلبت.

وتتجه الأبصار القلقة هذه الأيام نحو المئذنة المائلة بجامع النوري الكبير، الذي وقف على منبره في الرابع من يوليو 2014 أبو بكر البغدادي زعيم تنظيم الدولة الإسلامية ليكشف شخصيته للعالم للمرة الأولى ويعلن قيام “دولة الخلافة”.

منذ ذلك اليوم رفرف راية التنظيم السوداء على جدران يرجع تاريخها إلى العصور الوسطى لتضع مئذنة المسجد الشهيرة المائلة في قلب التنظيم العسكري والديني الذي نقل حربه إلى شوارع أوروبا.

يستقي المسجد اسمه من اسم نورالدين الزنكي الذي كان من الأعيان وخاض معارك في الحملات الصليبية الأولى من إقطاعية تغطي مساحات من الأرض فيما أصبح الآن تركيا وسوريا والعراق. وقد أقيم المسجد في عامي 1172 و1173 عقب وفاته وكان يضم مدرسة إسلامية.

عندما زار الرحالة ابن بطوطة المدينة بعد ذلك بنحو قرنين من الزمان كانت المئذنة التي يبلغ ارتفاعها 45 مترا قد بدأت تميل بالفعل. واشتهرت المئذنة باسم الحدباء بسبب ميلها. وفي القرن التاسع عشر كتب الرحالة جراتان جيري يقول “هي مائلة بضع أقدام عن وضعها العمودي رغم أنها تبدأ بداية صحيحة عند الأرض. وعند القمة، قبل شرفتها وقبتها، تستعيد استواءها مرة أخرى. وهيئتها هيئة رجل ينحني”.

ومع اقتراب القوات المدعومة من الولايات المتحدة من المسجد وتساقط القذائف على مناطق أقرب إليه في الموصل بشمال العراق يقول خبراء إنهم يخشون على المبنى الضعيف القائم على أسس غير ثابتة على نهر دجلة؛ فإذا حدثت انفجارات قوية بالقرب منها فخطر انهيارها يفوق بنسبة 90 في المئة.

يستقي المسجد اسمه من اسم نورالدين الزنكي الذي كان من الأعيان وخاض معارك في الحملات الصليبية الأولى من إقطاعية تغطي مساحات من الأرض فيما أصبح الآن تركيا وسوريا والعراق

التهديد الذي يحيط بالمئذنة المائلة بجامع النوري الكبير، والدمار الذي لحق بآثار العراق وسوريا واليمن، وقبل ذلك أفغانستان، يصفها ريتشارد هاس، رئيس مجلس الشؤون الخارجية الأميركي، بأنها “قتل للتاريخ”. يرى هاس أن تأثير ذلك لم يطل فقط حاضر ومستقبل المنطقة بل نجد أن الماضي هو ضحية أخرى للعنف الذي يحدث اليوم.

واستهداف الماضي ليس بالأمر الجديد. فقد دَمَّر الإسكندر الأكبر قبل أكثر من 2000 سنة قسما كبيرا مما يسمى اليوم مدينة برسيبوليس. ولم تسلم الكنائس واللوحات خلال الحروب الدينية التي اجتاحت أوروبا. وبذل ستالين وهتلر وماو قصارى جهدهم لتدمير المباني والأعمال الفنية المرتبطة بالثقافات والأفكار التي رأوا أنها تشكل خطورة على أفكارهم.

ويقول هامس إن فهم أسباب “قتل التاريخ” ربما يكون ممكنا بقدر استيعاب ما ينطوي عليه هذا التصرف من انحراف. ذلك أن القادة الراغبين في قولبة المجتمع حول مجموعة جديدة ومختلفة من الأفكار والولاءات وأشكال السلوك يحتاجون أولا إلى تدمير الهويات القائمة بين البالغين ومنع انتقال هذه الهويات إلى الأطفال. ويعتقد الثوريون أن تدمير الرموز التي تعبر عن هذه الهويات والأفكار التي تجسدها شرط مسبق لبناء مجتمع جديد وثقافة جديدة و/أو نظام حكم جديد.

ولهذا السبب، كان الحِفاظ على الماضي وحمايته ضرورة أساسية لأولئك الذين يرغبون في ضمان فشل جهود المتعصبين الخطرين اليوم. فالمتاحف والمكتبات لا تقدر بثمن، ليس فقط لأنها تحتوي على أشياء قيمة أو لأنها تبرز جمال هذه الأشياء، بل لأنها أيضا تحمي التراث والقيم والأفكار والروايات التي تجعلنا على ما نحن عليه وتساعدنا في نقل هذه المعرفة إلى أولئك الذين يأتون من بعدنا.

الحقيقة الصعبة والمحزنة، وفق هاس، هي أن نفوذ المجتمع الدولي ضعيف. والعالم غير الراغب في الاضطلاع بمسؤوليته عن حماية الناس، كما تبين بوضوح في سوريا، من غير المرجح أن يجتمع على كلمة لحماية تماثيل ومخطوطات ولوحات وآثار.

ليس هناك بديل غير وقف أولئك الذين يريدون تدمير الممتلكات الثقافية قبل أن يفعلوا ذلك. وفي حالة التهديدات الرئيسية للماضي، فإن هذا يعني إثناء الشباب عن اختيار مسارات متطرفة، وإبطاء تدفق المجندين والموارد إلى الجماعات المتطرفة، وإقناع الحكومات بتعيين وحدات أمنية لحماية المواقع القيمة ومهاجمة الإرهابيين قبل أن يضربوا ضربتهم كلما تسنى ذلك.

إذا كانت إحدى الحكومات هي مصدر التهديد لمواقع أثرية وتاريخية، فربما تكون العقوبات أداة أكثر ملائمة. وربما يثبت توجيه الاتهام، ومحاكمة، وإدانة، وسجن أولئك الذين ينفذون مثل هذا الدمار كونه الرادع اللازم لمنع آخرين، على نحو مماثل لما هو مطلوب لوقف العنف ضد الأشخاص. ويخلص هاس بأنه إلى أن يحدث هذا فسوف يظل قتل التاريخ يشكل تهديدا، وواقعا كما رأينا. وسوف يظل الماضي عُرضة للخطر. وهو لا يختلف في هذا السياق عن الحاضر والمستقبل.

6