الماكياج فن مغيب عربيا ولا يمكن للدراما أن تقوم من دونه

الأحد 2020/11/29
الماكياج سر نجاح الدراما الجديدة

لكي تنجح الدراما عليها أن تتكامل فيها عناصرها الفنية جميعا، ليس فقط من حيث النص والتمثيل والإخراج، بل أيضا من حيث العناصر الفنية الأخرى التي قد لا تلفت اهتمام النقاد حين الكتابة عنها، وفي مقدمة تلك العناصر يأتي الماكياج أو Special effect، كأحد أهم عناصر نجاح أو فشل العمل الدرامي سواء كان تلفزيونيا أو سينمائيا أو مسرحيا.

منذ سنوات عديدة بدأ صناع الدراما يهتمون بشكل رئيسي بفناني الماكياج أو الـ”special effect”، ليس فقط بسبب الشروط الخاصة التي يتطلبها تصوير الأعمال الدرامية، والتي تؤثر بشكل أو بآخر على الوجوه نتيجة الإضاءة وغيرها، بل لأن ذلك الفن بات اليوم عنصرا أساسيا وربما مكملا ومساعدا في نجاح بعض الأعمال الدرامية، وخاصة التاريخية منها أو الفانتازية أو أعمال الرعب وغيرها.

ولكن رغم ذلك، لا ينال هذا الفن الأهمية الأكاديمية التي ينالها فن التمثيل والإخراج والتصوير وغيرها من الفنون الأخرى، فقليلة جدا أو ربما معدومة هي المعاهد أو الجامعات التي تدرس تلك المادة كقسم منفصل ومتخصص، فيما لو استثنيا معاهد الفنون المسرحية أو أقسام المسرح في الجامعات عامة، والتي تعتبر “فن التنكر والماكياج” مادة أساسية لدى طلاب قسم التمثيل، وربما مادة تكميلية لدى أقسام أخرى، مثل السينوغرافيا أو الرقص، كما في المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق.

الدراما والماكيير الإيراني

في سوريا بدأ الاهتمام بفن التنكر والماكياج منذ تأسيس المعهد العالي للفنون المسرحية، وكان في بداية الأمر مقتصرا على طلاب قسم التمثيل، وكانت الفنانة الروسية ستيلا توميلوفيتش المعروفة باسم ستيلا خليل، واحدة من رواد ذلك الفن، ليس فقط على صعيد عملها الشخصي في الدراما كماكييرة، وإنما لكونها المدربة الوحيدة التي مارست تلك المهنة لسنوات قبل أن تنتقل تلك المادة إلى الفنانة مريم علي خريجة قسم التمثيل.

 في تلك المادة لا يتم تدريب الطلاب فقط على وضع الماكياج المسرحي المناسب للعرض، وإنما أيضا في التعرف على طريقة صنع الخدع المتعلقة بالجروح والحروق وغيرها، ولكن المسرح وعلى اعتباره فنا شرطيا يعقد اتفاقات ضمنية مع الجمهور، فإن مهنة الماكيير ليست أساسية فيه، ولا حتى احترافية فيما لو قورنت بأهميتها في الدراما سواء التلفزيونية أو السينمائية.

تجربة فن التنكر والماكياج في مصر، ترتبط ارتباطا مباشرا بمخرج العمل وليس بمؤلفه كما حصل في التجربة السورية

دخلت الدراما السورية منذ التسعينات، إلى عالم الأعمال التاريخية كما في مسلسل غضب الصحراء لهيثم حقي، وأبواب الغيم لحاتم علي، وبعض أعمال الفانتازيا التي أخرجها نجدة أنزور للكاتب هاني السعدي، جعل من وجود الماكيير أمرا أساسيا وليس إضافيا أو تجميليا، الأمر الذي دفع بصناع الدراما في سوريا إلى الاستعانة بأهل الاختصاص في ذلك الفن، فكانت تجربة العمل مع الماكيير الإيراني العالمي عبدالله إسكندري.

وعبدالله إسكندري واحد من أهم فناني الماكياج في العالم، وهو من مواليد طهران 1945، سبق وأن حصل على جائزة العنقاء البلورية لمهرجان فجر السينمائي كمصمم شخصيات لست مرات متتالية، كما حصل على جائزة أحسن ماكياج، في مسابقة أدونيا للدراما السورية.

وكان أول المخرجين المتعاونين معه حاتم علي، رغم أن البعض كان يعتقد أن المخرج هيثم حقي كان أول من استعان به للعمل في دمشق، على اعتباره أول من أمّن له شروطا إنتاجية لتصوير فيلم “المتبقي” حينها، والذي من خلاله تعرف المخرجون السوريون على كفاءة ومهارة ذلك الماكيير.

تعاون حاتم علي مع الفنان عبدالله إسكندري في العديد من أعماله التاريخية، حتى أنه في العام 2012 وحين كان ينفذ مسلسل “الفاروق عمر” صرح في حوار صحافي قال فيه “استعنت بعبدالله إسكندرى وهو واحد من أفضل 5 ماكييرات في العالم، وله تجارب عالمية كبيرة، لأن عنصر الماكياج في عالمنا العربي ما زال متخلفا، فليست لدينا قدرات كبيرة، وهذه ليست محاولة للنيل من أصدقائنا الماكييرات العرب بقدر ما هو توصيف لإحدى مشكلاتنا الأساسية، وليس من الخطأ الاستعانة بخبرات غير عربية بهدف تحسين صورة العمل”.

الماكياج فن تحتاجه الدراما التلفزيونية والسينمائية
الماكياج فن تحتاجه الدراما التلفزيونية والسينمائية

وجاءت فكرة الاستعانة بالفنان الإيراني عبدالله إسكندري منذ بداية العام 2000، كما يقول الكاتب والسيناريست عدنان العودة، الذي سبق وأن كتب كلا من مسلسل “فنجان الدم” الذي أخرجه الليث حجو، ومسلسل “أبواب الغيم” الذي أخرجه حاتم علي، لأن تلك الأعمال على حد تعبيره “كانت تحتاج إلى نوع من الماكياج الخارجي، لم يستطع مختصو الماكياج في سوريا ولا حتى العرب تنفيذه، فمثلا لم تكن لديهم القدرة على صنع اللحى أو الذقون، فتبدو وكأنها مقحمة أو غير حقيقية، ولم تكن لديهم الخبرة الكافية لصنع الماسكات، وكان عبدالله يعمل بطريقة الكنفاس (canavas)”.

ويتابع، “ولا يخفى على أحد أن هذه المهنة تتكلف بكثير من المال، وتعتبر في إيران سرية إلى حد ما، ليس فقط من حيث حرفتها وإنما أيضا من حيث المواد المستخدمة في صنع الماسكات وغيرها، كما أنها لا تدرس وإنما يتم توريثها من جيل لآخر، إلى درجة أن إسكندري لم يكن يسمح لأحد بالدخول إلى غرفة الماكياج أثناء العمل، إلا باستثناءات قليلة للكاتب أو المخرج”.

ويضيف “وكان يعمل مع إسكندري، حينها ابن شقيقته الذي أصبح لاحقا ماكيير مسلسل ‘هارون الرشيد‘، وكان يترجم له العراقي محمود الجبوري الذي يعمل اليوم أيضا ماكييرا”.

وبالنسبة إلى تجربته الشخصية مع إسكندري من خلال مسلسلي “فنجان الدم” و”أبواب الغيم”، يقول العودة “كنت على احتكاك بالماكيير بدرجة أكبر من احتكاك المخرج، على اعتبار أن الأعمال كانت بدوية وكانت تحتاج إلى بعض التفاصيل حول تلك البيئة البدوية التي كنت أعرفها عن كثب”.

ولم يقتصر دور إسكندري على الماكياج وصنع الماسكات واللحى والذقون وغيرها، بل كانت لديه القدرة أيضا على تحويل الشخصيات وتغيّرها من حيث العمر، سواء تكبيرها في السن أو تصغيرها، كما حصل على سبيل المثال في مسلسل “صقر قريش” الذي كتبه وليد سيف وأخرجه حاتم علي، حيث لعب دور صقر قريش الفنان السوري جمال سليمان، فقام

الماكيير إسنكدري وكما يشير العودة، بتصغير جمال سليمان في بداية العمل ليبدو هو وخادمه محمد مفتاح الذي كان يؤدي شخصية بدر وكأنهما في سن 18، كما قام في المرحلة الثالثة والأخيرة من العمل بتحويل جمال سليمان ليبدو في سن الشيخوخة، كل تلك القدرات الإبداعية والفنية التي كان يمتلكها ذلك الفنان، جعلت المنافسة بينه وبين أي فنان سوري أو عربي آخر بعيدة جدا.

التجربة المصرية

"صقر قريش" شخصية تاريخية رافقها الماكياج في مختلف الأطوار
"صقر قريش" شخصية تاريخية رافقها الماكياج في مختلف الأطوار

 لم يلفت إسكندري نظر صناع الدراما السورية فقط، بل كان أيضا محط أنظار فناني مصر العاملين في حقل الدراما، إلى درجة أنه وفي زيارة سابقة وسريعة لبعض الفنانين المصريين لإيران، تم الالتقاء به والاتفاق معه على إنشاء مركز للتدريب على أعمال الماكياج في مصر، ولكن يبدو أن ذلك الاتفاق لم يلق ثماره بسبب الأوضاع السياسية التي عصفت بعالمنا العربي.

وتختلف التجربة المصرية في الحاجة إلى استخدامها لفن الماكياج بحرفتيه وأسراره عن التجربة السورية، التي كان يقتصر وجود الماكيير المتخصص والحرفي فيها على الأعمال الدرامية التاريخية والفانتازية، بينما امتدت في مصر لتشمل أعمالا كوميدية وتشويقية وحتى أعمال رعب، الأمر الذي استدعى وجود فناني الماكيير أو ما يعرف بـ”special effect” مميزين.

وهو ما حصل مع مسلسل “100 وش” الذي عرض في رمضان وما زال عرضه مستمرا حتى الآن، وكان يتطلب في جميع حلقاته تقريبا، تغييرا شاملا لأبطاله بما يتناسب والسيناريو والشخصيات المكتوبة في كل حلقة، كل ذلك وسط ضغط زمني، على اعتبار أن العمل كان يصور بشكل متزامن مع العرض.

أو كما في شخصيات مسلسل “ما وراء الطبيعة” وهو مسلسل تشويق ورعب، وأنتج حصريا لمنصة نتفليكس، وشخصياته في أغلبها خارقة للطبيعة، ولكنها مرتبطة وجدانيا في عقول وقلوب جيل كامل من المصريين الذين كانوا قد تعلقوا بها منذ طفولتهم ومراهقتهم، وهو أمر في حد ذاته يتطلب من الماكيير جهدا إضافيا ليكون العمل طبق الأصل عن المكتوب أو المتخيل.

وبرز في مقدمة العاملين في تلك المهنة بعض الشباب الموهوبين من مصر، منهم إسلام أليكس وزميلته دنيا صدقي، ورغم أن أغلبية الكتابات النقدية حول العملين السابقين كانت قد توقفت على أداء الممثلين وحرفية المخرج، إلا أن قليلا جدا من الأقلام هي التي التفتت إلى هذا الفن الذي كان سببا مباشرا وأساسيا في نجاح العملين.

وتجربة فن التنكر والماكياج في مصر، ترتبط ارتباطا مباشرا بمخرج العمل وليس بمؤلفه كما حصل في التجربة السورية تحديدا مع السيناريست عدنان العودة، عن ذلك يقول إسلام أليكس “بعد أن يتم تكليفنا بعمل درامي، نقوم بعقد جلسات مع المخرج، ليقول لنا وجهة نظره، فهو في النهاية من يختار شكل الشخصية وهو صاحب التخيل أو صاحب القرار الأخير، كما أن وجود المدير الفني (Art Director)، يساعد المخرج على ذلك التخيل، ويقوم بإعطائنا اسكتش رسم تقريبي للشخصية”.

“ما وراء الطبيعة" ما كان لينجح لولا الماكياج
“ما وراء الطبيعة" ما كان لينجح لولا الماكياج

ويتابع “بناء على كل ذلك أقدم وجهة نظري في طريقة تنفيذ الشخصية بشكل عملي”، ولا يخفي إسلام أن بعض الشخصيات لا يمكن تنفيذها في الواقع كما يتخيلها المخرج، وذلك لأسباب كثيرة، منها شكل وجه الممثل من حيث الحجم والنسب، وبناء على ذلك يقوم بنحت الشخصية وإجراء البروفات والتعديلات المناسبة وتغيير بعض التفاصيل التي لا تناسب ذلك الوجه.

 ولكن في النهاية يجب التوصل إلى الشكل النهائي الذي في مخيلة المخرج، مضيفا “أما بالنسبة إلى المؤلف فلا علاقة له بالموضوع، فهو فقط يكتب الشخصية، والمخرج هو المسؤول عن الشكل العام الذي سيظهر فيه العمل وشخصياته”.

ولكن بعض مشاهد الشخصية قد لاتنتهي في يوم واحد وقد تحتاج إلى عدة أيام من التصوير، الأمر الذي يضطر العاملين في فن الماكيير إلى إعادة بناء الشخصية مرارا وتكرارا، عن ذلك يقول إسلام “هناك شخصيات وماسكات وجروح تتكرر كثيرا أثناء تصوير العمل، لذلك نحن نعمل بطريقة ‘القالب أو الاسطمبا‘ للماسك وغيره، وهذا القالب يحافظ لنا بنسبة كبيرة على الشكل، بحيث يخرج مطابقا في كل مرة، وتبقى لنا مهارة تركيبه أو إعادة تلوينه بنفس الألوان، وقد تعودنا على ذلك وبات شيئا أساسيا في شغلنا”.

ويعاني أيضا متخصصو الماكياج أو الراغبون في العمل به في مصر، من عدم وجود أقسام أو فروع أكاديمية لتعلم الـ”special affect”، رغم وجود العديد من الورشات خارج مصر، أما بالنسبة إلى تجربة إسلام فهي تشبه التحدي، فقد بدأ العمل مع الفنان المصري طارق مصطفى واستمر معه لمدة قاربت الـ9 سنوات، وكان طارق مصطفى قد تعلم ودرس تلك المهنة خارج مصر، لكن إسلام لا يخفي أن أساس النجاح في تلك المهنة يعتمد بشكل رئيسي على موهبة النحت والرسم والتلوين، ولكونه خريج تربية فنية، فقد ساعده ذلك فعليا لدخول هذا المجال وعلمه، كما أنه على اطلاع دائم على بعض الورشات المتوفرة بكثرة على النت أون لاين والمتعلقة بالـ”special effect”.

13