"الماكينة" مشروع شبابي تونسي لنشر المسرح

المشروع يستقطب محبي الفن الرابع يؤطرهم ويدعم أعمالهم.
السبت 2021/02/06
التأطير قبل الإنتاج والمواكبة

المسرح فن متكامل، فيه الكتابة والجسد والفرجة والفكر والحركة، لذا فإن وصفه بأنه الفن الحي الأكثر تأثيرا ليس مصادفة. إذ أن هناك من ينتهج المسرح لأجل العلاج النفسي وحتى الجسدي، وهناك من ينتهجه لأجل إحداث تغيير سياسي وفكري وجمالي، لذا يبقى من أهم الفنون، وتمكن الإفادة منه في دعم الشباب واستقطابهم للفعل المسرحي، لتحقيق التنوير ولنشر الفعل الفني. لكنّ الشباب المحبين للمسرح كثيرون ومع ذلك تبقى الفضاءات التي ترحب بهم قليلة.

تعتبر محافظة بنزرت شمال تونس من أبرز المناطق التي قدمت الكثير للموسيقى والفنون والأدب في تونس، ورغم ما تزخر به المدينة من طاقات إبداعية شبابية خاصة في مجال المسرح، فإن الكثير منهم يلتجئون إلى تركها والذهاب إلى العاصمة لتلقي التكوين، وهذا ما دعا المركز الثقافي الشمالي الماجستيك إلى بعث “الماكينة”، وهو برنامج تكويني مسرحي لتأطيرهم وخلق حركية ثقافية في المدينة من خلال دعم إنتاجات هؤلاء الشباب.

ووفق بيان القائمين على برنامج “الماكينة”، فهو عبارة عن محضنة مرافقة للمجموعات الشبابية الهاوية والناشطة في مجال المسرح، حيث يقوم البرنامج على تكوين وتأطير هواة الفن المسرحي أكاديميا وتقنيا، كما يفتح آفاقا أوسع أمام هؤلاء الشباب المبدع لإبراز قدراتهم وإدماجهم أكثر في خارطة الفنانين والمبدعين التونسيين، في كسر للمركزية النشاط المسرحي في العاصمة، والانفتاح به على مناطق أخرى.

برنامج متكامل

يقدّم برنامج “الماكينة” دعما لمشاريع الشباب المسرحية عبر توفير مخيمات تكوينية في اختصاصات مختلفة في المجال المسرحي، إضافة إلى تمكينهم من قاعات للتدريب تتوفر فيها المعدات التقنية الضرورية، وذلك تحت إشراف مؤطرين مرافقين في كامل مسار الإنتاج. كما يساعد البرنامج هؤلاء الشباب على توفير مصاريف الديكور والملابس والأكسسوارات، ويضمن لهم بعد إنجاز العمل برمجة جملة من العروض، كما يساعدهم على توزيع أعمالهم على مستوى وطني عبر التكفل بمصاريف التنقل والإقامة.

ويسعى برنامج “الماكينة” إلى استقطاب ما بين 60 و80 شابا وشابة لتكوينهم وتأطيرهم في مختلف تقنيات العمل المسرحي، من تقنيات الممثل، الكتابة المسرحية، الرقص المسرحي، الإلقاء، الإخراج، السينوغرافيا، الإضاءة والصوت، وغيرها.

وبعد مرحلة التكوين والتأطير تأتي مرحل الإنتاج، حيث سينتج البرنامج 8 مشاريع أعمال متكاملة، وسيقوم لاحقا بتوزيعها محليا، سواء عبر عدد من العروض أو من خلال تشريكها في المهرجانات المسرحية الوطنية.

وينقسم برنامج الماكينة إلى ثلاث مراحل أساسية وهي مرحلة اختيار وتقييم المشاريع التي ستتم مرافقتها، وتليها مرحلة التكوين والمرافقة ومن ثم مرحلة التوزيع والمتابعة.

وعبر مراحله الثلاث لا يكتفي البرنامج بالتكوين بل يواكب الشباب طيلة فترة إنجاز عروضهم، ويواكبهم في توزيعها، ما يخلق فعلا مسرحيا متكاملا، ويدفع الشباب أكثر إلى الانخراط في الفعل المسرحي بروح تشاركية.

تجاوز الصعاب

وفائي النباوي: الماكينة منظومة للتمويل والتكوين ستساعد على بناء علاقة جديدة بين المسرحي والجمهور
وفائي النباوي: الماكينة منظومة للتمويل والتكوين ستساعد على بناء علاقة جديدة بين المسرحي والجمهور

في سؤال لـ”العرب” حول المسرح التونسي الذي يعيش أزمات مختلفة من ضعف تمويل وغياب الجمهور وأخيرا الحال الصحية، وكيف يمكن تجاوز ذلك؟ يجيبنا المسرحي وفائي النباوي منسق برنامج “الماكينة” قائلا “أظن أنه لا يمكننا بعد أن نتحدث عن مسرح تونسي بكل معنى الكلمة بقدر أننا بصدد الحديث عن  مسرح في تونس. فنحن بعد 100 سنة من المسرح في تمظهراته الحالية مازلنا لم نتجاوز مسألة التأسيس. وكل هذه المبادرات التي بدأت منذ القرن الماضي إلى يومنا هذا هي مبادرات تهدف إلى تأصيل الفعل المسرحي في الواقع التونسي والحفاظ على وجوده”.

ويضيف النباوي “تتعدد الأزمات في الواقع المسرحي التونسي محترفا كان أو هاويا، وفي جميع عناصره، ويعود ذلك إلى ضعف السياسات الثقافية والتصورات التي رسمها الجيل السابق لتأطير القطاع. يعني اليوم في هذا الواقع المتغير الذي لا يتلاءم مع المنظومة ومع الآليات القديمة البالية كان لا بد أن نتدخل لنساهم في إصلاح ما أفسدته سياسات أصحاب المكاتب المعزولة والغريبة على الواقع الفني في البلاد”.

ويرى النباوي أن الحل يكمن في بنائنا لمنظومة جديدة ذات نموذج جديد للتمويل والتكوين وهذا ما سيساعد على بناء علاقة جديدة بين المسرحي والجمهور.

وعن نشاط البرنامج إن كان سيتوقف في بعده الجهوي أم هناك نية لتعميمه، يقول النباوي “إن ‘الماكينة‘ هي حل حقيقي لمشكلة حقيقية. لا يمكننا أن نتحدث عن انتهاء مهمة الماكينة في دورة واحدة. فالماكينة ليست مشروعا فقط بل هي منطق عمل”. وفي رأيه يمكن التحدث عن فعل “الماكينة” عبر الاستمرارية في الفعل.

ويواجه مسرح الهواة التهميش والنظرة الدونية في تونس، وعن سبيل تجاوز ذلك يقول النباوي “نحن هنا عازمون على المواصلة، لكن لا بد لمن تورطوا بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في تأزيم وتهميش مسرح الهواية في تونس أن يتورطوا في الحل. فالمركز الثقافي الشمالي الماجستيك كغيره من الفضاءات الثقافية في تونس يعاني من ضعف التمويل والعديد من المشاكل الأخرى التي تحول دون مواصلتنا”.

ويتابع “نحن نسعى إلى المزيد من الانفتاح الجغرافي على مستوى المناطق المستهدفة. وكذلك نرى أن المشاكل التي تم رصدها في فترة بنائنا للمشروع لا تقتصر على المسرح فقط بل في جميع المجالات والتعبيرات الفنية الأخرى. لذلك من الممكن أن نرى ماكينة للمسرح وماكينة للسينما وأخرى للموسيقى وغيرها”.

شباب محب للمسرح

برنامج الماكينة ينقسم إلى ثلاث مراحل هي مرحلة اختيار المشاريع وتقييمها، مرحلة التكوين والمرافقة، ومرحلة التوزيع والمتابعة
برنامج الماكينة ينقسم إلى ثلاث مراحل هي مرحلة اختيار المشاريع وتقييمها، مرحلة التكوين والمرافقة، ومرحلة التوزيع والمتابعة

في حديثه لـ”العرب” عن مشروع “الماكينة” يقول المخرج المسرحي التونسي عماد المي، الذي قدم مؤخرا ورشة في “فن الممثل” ضمن نشاطات البرنامج، “الماكينة مشروع يهتم بالفن المسرحي وهو مبادرة من فضاء الماجستيك الثقافي الخاص بمحافظة بنزرت وبدعم من مبادرة تفنن الأوروبي، ويطمح المشروع لتقديم الإحاطة والمرافقة والتدريب والتكوين المعرفي والفني لإعداد مشاريع مسرحية أصحابها والمشاركون لهم هم من هواة وعشاق الفن المسرحي”.

ويلفت المي إلى أن هواة الفن المسرحي الذين يستهدفهم البرنامج تعترضهم صعوبات مختلفة لبلوغ آمالهم وتنفيذ وتحقيق أحلامهم الفنية المسرحية، لذا جاءت هذه المبادرة لتوفر لهم الفضاء للتدريب والمكونين للتأطير في مختلف لغات وتقنيات الفن المسرحي، وتساعدهم على إنجاز عروضهم بكل متمماتها من ملابس وإضاءة وقيافة وموسيقى وديكور، هذا إضافة إلى تبني الفضاء صاحب المبادرة للمشاريع والحرص على عرضها وتوزيعها في كل محافظات ومهرجانات البلاد التونسية ولم لا خارج حدود الوطن”.

ويضيف المخرج “لقد كنت من المشرفين على ورشة فن الممثل في الفترة الأخيرة من شهر ديسمبر ضمن هذا البرنامج، وقد كان الشباب الحاضر شبابا محبا لدرجة كبيرة للفن المسرحي. كانت المجموعة منضبطة وملتزمة ولها قابلية كبرى للفهم والتعلم، والحق إن لهم إمكانيات ومادة خام ونقية تصلح للإبداع المسرحي، فقط أرجو أن يستمر تكوينهم ضمن مشاريعهم وتشجيعهم والدفع بهم لتنفيذها بكل حب وجدية”.

13