المالكي في واشنطن

الخميس 2013/10/31

وصل بالفعل إلى العاصمة الأميركية في زيارة عمل توقيتها يدعو للاستغراب، ذلك أن مثل هذه الزيارات تجري في مستهل تقلد المسؤولية وليس على مشارف تسليمها حيث لم يبق من زمن سوى خمسة أشهر لن يستطيع المالكي أن ينجز فيها الكثير بعد أن أهدر ثمان سنوات بالتمام والكمال في إدارة حكومة صنفتها الأمم المتحدة بأنها حكومة فاشلة.

لا ندري إن كانت الإدارة الأميركية عندما وافقت على الزيارة قد أخطأت بروتوكوليا أم أنها قصدت من وراء ذلك إيصال رسالة لازال من الصعب التكهن بفحواها؟

في لقاءات صحفية وتصريحات ومقالات نشرت حول الزيارة باسمه أو عن طريق مستشاريه، سرّب المالكي ما ينوي طرحه على الإدارة الأميركية من قضايا هي في مجملها لا علاقة لها بالموضوع الأساس الذي شدّ الرحال من أجله نوري المالكي إلى واشنطن وفي هذا الوقت المثير للتساؤل.

غرض المالكي من الزيارة ينحصر في إقناع الإدارة الأميركية بالموافقة على بقائه في منصبه لدورة ثالثة، وكي يغطي على غرض الزيارة كان عليه التعتيم بالترويج لجدول أعمال يتضمن مواضيع لا تستحق المغامرة بترك العراق وهو في وضع حرج وبالغ الخطورة، بينما الإشاعات حول استهداف المالكي والمنطقة الخضراء تنتشر في كل وقت وحين، كان يسع المالكي تكليف بعثته الدبلوماسية أو مستشاريه بمتابعتها، قضية التعجيل بتسليم الأسلحة والتصدي للإرهاب والعنف وملف سوريا والعلاقات مع دولة ولاية الفقيه. لهذا من المتوقع أن يختلي بنائب الرئيس الأميركي لمدة ساعة من يوم الخميس 31 تشرين أول حيث اشترط المالكي أن يكون لقاء رجل لرجل وبحضور المترجم فحسب، إضافة للقاء منفرد آخر لمدة ربع ساعة مع الرئيس الأميركي في المكتب البيضاوي يوم الجمعة القادم وفي هذين اللقاءين من المتوقع جدا أن يجتهد المالكي في التضليل وقلب الحقائق، سيعرض نفسه باعتباره ضحية الإرهاب، وسوف يشتكي من قصور شركائه في العملية السياسية وعدم تعاونهم معه، وأنه يعاني من ضغوط إيران عليه للتخلي عن علاقته المتميزة مع الولايات المتحدة، وأن تركيا والعرب الخليجيين حلفاء الولايات المتحدة يناصبونه العداء…هكذا.

هذا وقت المالكي يستثمره في كسب التعاطف وتأليف القلوب وتحييد الخصوم وتقديم التنازلات، ما يستدعي خطابا ناعما ومواقف أنعم. لكنه تكتيك مؤقت ومرحلي سوف ينقلب عليه حالما يتحقق غرضه واقصد عندما يظفر بولاية ثالثة.

المالكي فقد المصداقية ليس الآن لكن منذ زمن بعيد ولم يعد جديرا بالثقة، والشواهد والأدلة لا تعد ولا تحصى، وبالتالي نعتقد أن مهمته في واشنطن لن تكون سهلة هذه المرة إذ من المتوقع أن تراجع معه الإدارة الأميركية سلسلة من التعهدات التي قدمها في زيارات سابقة، لكنها لم تر النور لأنه نكث بها شخصيا.

جون مكين أرسل الثلاثاء للبيت الأبيض رسالة هامة للرئيس أوباما نشرها على موقعه طالبه فيها بمراجعة منهجية مع المالكي الزائر لعدد من المسائل السياسية الخلافية ذات الصلة بتدهور الأوضاع في العراق والتي يتحمل المالكي كامل المسؤولية فيها، وعلى وجه الخصوص استهدافه لقادة السنة، واتهامه المنتفضين بالإرهاب، والتهرب من الاتفاق مع إقليم كردستان بشأن موارد النفط والغاز، والسماح بنفوذ غير مسبوق لإيران، والتدخل في الشأن الداخلي السوري.

الرسالة غابت عنها مسائل هامة أخرى من بينها الانحراف المنهجي عن بناء دولة المؤسسات والعدل إلى الاستبداد، ومن بينها الفساد المتفشي والظلم البين في توزيع الثروات، ومن بينها حملات الإعدام بالجملة لأهل السنة ونشطاء حقوق الإنسان. مسائل كنا نتمنى أن تتضمنها رسالة مكين التي رغم ذلك حمّلت في طياتها نوري المالكي كامل المسؤولية في التدهور الحاصل في مجمل الحياة العامة في العراق، وطالبته بتغيير النهج والسلوك كشرط مسبق للتعاون الأمني والعسكري والاستخباراتي من جانب الولايات المتحدة. ومن بينها بالطبع تجهيز طائرات F16 ومروحيات أباتشي وطائرات Drons بدون طيار، وغيرها من المعدات والتجهيزات القتالية ذات التقنية العالية.

أخيرا أنا أعلم أن مشكلة العراق داخلية، وأن الموقف الوطني يستدعي بذل كل جهد ممكن من أجل حصر دائرة الاهتمام بالعراقيين أنفسهم، لكن أوضاع بلدي بلغت من الخراب ما لا يمكن إصلاحه إلا بتضافر جهود الداخل والخارج لاسيما الولايات المتحدة التي تتحمل قسطا وافرا من المسؤولية، وعليها أن تستثمر هذه الزيارة وتسمع المالكي كلاما مختلفا عما سمعه في المرات السابقة، وفي المقدمة أنها هذه المرة تشعر بامتعاض وقلق لنمط إدارته وأنها تقف على الحياد ولن تتعهد له بولاية ثالثة.

هذا أقل ما يمكن أن تقدمه الولايات المتحدة وفي هذه المرحلة بالذات لشعب يرفض تجديد الولاية لرئيس وزراء فاشل، فرّط في المصالح القومية للعراق على مدى ثماني سنوات، ولم يعد في ضوء ذلك جديرا بدعم داخلي أو تعاطف خارجي.


نائب الرئيس العراقي

9