المالكي كان أول الحاضرين

أن تكن لجارك الضغينة وتترقب موته أو على الأقل تكون أول الشهود على مقتله ذلك ما حصل ليلة محاولة اغتيال مصطفى الكاظمي عندما كان نوري المالكي أول الواصلين إلى المنزل المقصوف.
الجمعة 2021/11/12
الكاظمي بموضع اختبار سياسي أمام العراقيين بعد نجاته من محاولة الاغتيال

لنفترض أن نوري المالكي وهو في منزله سمع صوت الانفجار، لكن ذلك لا يمنعنا من التشكيك بذلك الافتراض، وأنه كان يعرف مسبقا وينتظر الحدث ليكون أول الشهود على عملية الاغتيال.

المالكي استحوذ على أحد أفخم القصور داخل المنطقة الخضراء بصفته رئيسا للوزراء آنذاك، لكن عندما انتهت مهامه، ضحك بشدة على الذين طلبوا منه إخلاء المنزل على اعتبار أنه ملك للدولة. كان جزء من الصفقة بعد تكليف حيدر العبادي برئاسة الحكومة عام 2014، أن يبقى المالكي في القصر في عقد مفتوح مع الدولة. لا أحد حينها كان قادرا على رفض ذلك العقد مثل كل العقود المجحفة بحق القانون، بعدما تشبث المالكي بالمنصب فكيف المنزل! ومنذ عام 2006 يستحوذ المالكي على القصر المبني في عهد النظام السابق، بصفته ملكا شخصيا له ولحزب الدعوة الإسلامي الذي يتزعمه.

وعلى مسافة ليست بعيدة وفي المنطقة الخضراء نفسها يتخذ رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي منزلا سكنا له منذ سنوات، ليس بفخامة القصر الذي استحوذ عليه المالكي. بعض المعلومات تقول إن المنزل يعود أصلا لأسرة المعماري العراقي محمد مكية الذي يرتبط ابنه كنعان بعلاقة مع الكاظمي منذ سنوات.

الجاران في المنطقة الخضراء، المالكي والكاظمي، يعبران عن واقع الكراهية الشخصية في الليل السياسي العراقي المستمر، يمكن اتخاذها مثالا لانعدام القيم السياسية في “العراق الديمقراطي”.

أن تكن لجارك الضغينة وتترقب موته، أو على الأقل تكون أول الشهود على مقتله، ذلك ما حصل ليلة محاولة اغتيال الكاظمي. لكن من استمتع بمعركة ليلة قصف منزل الكاظمي، لا أجد الكثير من العراقيين بقدر الذين عبروا عن سعادتهم في ليلة قصف قاسم سليماني وأبومهدي المهندس. مع ذلك هناك في العراق وخارجه من يفعل الكثير اليوم من أجل الاستفادة من الانقسام الشيعي بعد ليلة القصف الفاشلة.

التقارير الصحافية تذكر أن المالكي كان أول الواصلين إلى منزل الكاظمي القريب من منزله في المنطقة الخضراء. فطبقا لمقربين من المالكي، فإن الأخير ما أن سمع أصوات الانفجارات في منزل جاره حتى هرع مع أفراد حمايته لتفقد المنزل الذي طاله القصف.

بالطبع لنا أن نتخيل المشهد لحظتها، وكل الافتراضات ستكون واقعية ومعقولة وإن لم نكن هناك، فالمالكي كان يترقب أن يرى أوصال جثة الكاظمي مقطعة، كما أنه من المفترض أن يصور أفراد حمايته بهواتفهم المحمولة مشاهد الموت، لنشرها لاحقا.

لا شيء من هذا حصل، فالكاظمي كان خارج المنزل أثناء قصفه، والصور المنشورة توضح لنا الأضرار غير المؤثرة كثيرا مثلما تكشف عن تواضع المنزل الذي يقطنه رئيس الحكومة العراقية.

من البساطة بمكان أن يصل المراقب إلى المؤشرات القوية التي توضح الكراهية المعلنة التي يكنها المالكي إلى إياد علاوي، أو مقتدى الصدر مثلا، لكن المالكي الذي تعلم الدروس السياسية المفيدة في الأروقة الإيرانية، كان عليه أن يكون أكثر حذرا مع الكاظمي وهو يضمر له الكراهية. لذلك يرى فيه خصما لمشروع سياسي وليس مجرد ضغينة شخصية وتنافسا على الحصة من ثروة العراق المهدورة، فبينما المالكي لا يستطيع التخلص من طائفيته السياسية، يحاول الكاظمي التحرك في المساحة الوطنية في خطابه. والمالكي الذي جعل العراق حصة إيرانية بقي يحسبها الجيران العرب على طهران، فتح الكاظمي الأبواب أمام عروبة العراق. بينما بقي حذرا في علاقته مع إيران بغية تجنب غضبها عليه.

لا توجد شراكة بين الرجلين ولا أحد من العراقيين يترقب أن يتعاونا من أجل المصلحة الوطنية. كل ذلك تحول إلى عدم اليقين بينهما، ومن ثم إلى مواجهة فعلية نفذتها الطائرات المسيرة وبصناعة إيرانية. جعلت الكاظمي يعلن في النهاية أنه يعرف القتلة، دون الإعلان الواضح عنهم.

تلك المعادلة تكفي لندرك أن عداوة المالكي للكاظمي لا تقل عن عداوته للصدر، لذلك يسعى لإقصائه بأي طريقة ممكنة. والتقارير التي تتحدث عن كونه أول الحاضرين للمنزل المقصوف بطائرة مسيرة، يريد أن يوثق شهادته أمام التاريخ بكونه أول من حضر مقتل الكاظمي!

أرى أن علاقة المالكي بالكاظمي تكشف لنا طبيعة السياسة التي تجري في العراق، مع أن هذه المفردة تصل متأخرة إن لم تحدث ضررا عند إطلاقها على الحاكمين في العراق بعد عام 2003، السياسيون منهم ورجال الدين. في حقيقة الأمر لا وجود لمفاهيم السياسة التي يمكن التعويل عليها. هناك ببساطة ما يمكن أن نسميه لصوص دولة، بعضهم تعلم متأخرا شد ربطة العنق. لا مفاهيم للتفاوض الوطني لديهم بقدر ضمان حصتهم من سرقة الدولة. هؤلاء اللصوص يمتلكون ميليشيات طائفية مجرمة وظيفتها الاغتيال المعلن إن كان الأمر متعلقا بالناشطين والمتظاهرين الرافضين للرثاثة السياسية القائمة. أما عندما يتعلق الأمر بمن يتقلدون المناصب العليا، فالطائرات المسيرة حل جيد.

نجاة الكاظمي من الاغتيال فرصة لرفع رصيده السياسي، لكنها أيضا تضعه بموضع اختبار سياسي أمام العراقيين عن جديته ووطنيته في آن واحد عندما لا يدع القتلة الإفلات من العقاب مرة أخرى. عندها سيرفع يده أمام العراقيين باعتباره أول من يمتلك قوة قانون الردع في عراق ما بعد 2003. دعونا نتوقع ذلك من أجل الأمل في استعادة البلاد المخطوفة!

9