المالكي وإفلاس "ديمقراطية" المكونات الطائفية في العراق

الخميس 2014/01/23

كان صدام حسين ونظام حكمه الشمولي، سبباً لمشكلات العراق زمناً طويلاً، ثم بمجيء الاحتلال الأميركي أصبح هو السبب الجديد والمباشر، وطبعاً بنى على تركة صدام. الاحتلال دمّر كل ما تبقى من مؤسسات للدولة العراقية واجتث البعث وفكّك وحطّم الجيش؛ وقد شكل بريمر العراق طائفياً وبما يخص الكرد قومياً، أي أن النظام السياسي بُني وفق “ديمقراطية” المكونات الطائفية والعرقية، وثبّت وأبّد حكم الطائفية الشيعية على العراق، وهو ما مكّن إيران من التدخل المباشر في دعم ذلك الحكم، فأصبح العراق مجال نفوذ إقليمي مباشر هناك وكذلك نفوذ طائفي، وحُرِم “السنّة” بشكل مقصود وواضح من الدخول في العملية السياسية، رغم تمثيلهم بنائب رئيس وفي البرلمان وفي بعض الوزارات. فتشكل الجيش والأمن طائفياً ولصالح الطائفية السياسية الشيعية، وهذا ما أعطى القاعدة أرضاً خصبة للعمل والحركة، ولكنّ إرهاب وإجرام القاعدة دفع “السنّة” لقتالها، وهم عملياً من أنهى تمدّد القاعدة مجتمعياً ومناطقياً، ليتحولوا إلى مجموعات إرهابية وظيفتها إحداث تفجيرات ذات ملمح طائفي صاف وبغيض، وبما يخدم أجهزة مخابراتٍ متعددة.

ولكن ومع قيام “السنّة” بكل ذلك العمل العظيم والذي يخدم الحكومة المركزية مباشرة وطبعاً ينهي وجود تنظيم إجرامي إرهابي، فإنّ المالكي وقبله الحكومات الطائفية، لم تقبل بحل مشكلة العرب وليس السنة فقط المستبعدين والرافضين لتشكيل إقليم سني خاص بهم، وبالمثل هناك شيعة يرفضون ذلك. طلب عودة أميركا إلى العراق كما يفعل بعض السياسيين العراقيين المحسوبين على الإخوان المسلمين هو غباء مطلقٌ وطريقة تفكيرٍ معاكسة لما عُرف عن رفض “سنة” العراق للاحتلال والتأكيد على وطنية عراقية دائماً.

يشكل استمرار المالكي في سياسته الطائفية تأزيماً كاملاً للعراق، ووصفةً واقعية لبروز حرب أهلية مباشرة ومدمرة، وقد بدأت العشائر تحبذ فكرة الإقليم السني، بسبب طول أمد معاناتهم منذ الاحتلال الأميركي للعراق 2003، وغياب أي أفق بإعادة تشكيل الدولة عراقياً لا طائفياً، ولكن فكرة الإقليم أمر في غاية الخطأ، لأنّه لن يكون كذلك فعلاً، ولن تكون هناك بداية دويلة سنية ولا توجد مقومات لوجودها أصلاً، عدا عن توزعهم في غرب ووسط العراق وفي كامل البلاد، وبالتالي كل دفع نحو ذلك سيزيد تأزيم العراق أكثر فأكثر، وهو ما سينقذ المالكي من أزمته.

لكن الثابت أنه لا يزال تيارٌ شعبيُّ، ومن كل الطوائف، يرفض فكرة الإقليم الخاص ويصرّ على العراق كوطن للجميع. العشائر والعراقيون الآن، يحاولون إنهاء داعش والقاعدة في العراق، فكل تطرف سني هو ضرر مباشر ضد السنة قبل الشيعة وقبل العراق ككل، ولكن هناك من يقف مع داعش من العشائر بسبب طائفية المالكي والتدخل الإيراني والظلم المستمر والمركّز عليهم. فشل المالكي ليس مقتصراً على عدم إنصاف “السنة”، فأغلبية العراقيين بلا خدمات ويرفضون النظام السياسي الحالي، حيث لا توجد أية حلول لمشكلات العراق، وهذا يشمل كافة المناطق، فهناك انهيار كامل للخدمات، من الكهرباء والهاتف والبنية التحتية الرئيسية، إضافة طبعاً إلى عدم تمثيل كافة العراقيين سياسياً. وربما تشكل رغبة المالكي كسب معركة الانتخابات القادمة في نيسان سبباً لحربه الحالية، وهذا غير ممكن دون التحشيد الطائفي؛ وبالتالي تتفكك أزمة المالكي الحقيقية، بحرفها نحو إشعال الحرب الطائفية في العراق، وليس الاكتفاء بحرمان جزء أساسي من حقوقهم السياسية.

الآن بدأ استعداء كافة مناطق “السنة” حيث رفضت المطالب السلمية، وبدلاً من الاستجابة لها وبدء حلحلة المشكلات، عمل على تفجير الوضع عسكرياً، والذي سيذهب نحو المزيد من التطييف والعسكرة واستقدام القاعدة لاحقاً من جديد.

ربما أخذت القاعدة نفساً قوياً في العراق بعد توسّع نشاطاتها في سوريا طيلة عام 2013، وهو ما أعادها إلى العراق، بمحاولة توسيع سيطرتها في المناطق المتاخمة بين سوريا والعراق، ولكن المالكي- وبإشراف إيراني- هو من دفع داعش للتواجد في سوريا، وهو من يستقدمها إلى العراق لتصفية الاعتصامات السلمية للعراقيين وإنهاء التمرد الشعبي، وربما دفعه للتشدّد والعسكرة والتطييف كما أشرنا، وهذا هو مقتل الحراك السلمي في العراق، وبداية حرب كارثية ضدّه، ويمنع تشكل ارتدادات في مناطق الجنوب لصالح وطنية عراقية تنهي المالكي والطائفية السياسية، وهو ما سينقذه من الرحيل. ولكن في الأسابيع الأخيرة، تبيّن أن داعش أصبحت في سلة المحذوفات في سوريا والعراق، وبالتالي يحاول المالكي الاستفادة من ذلك في معركته النيابية القادمة، ويصطف ضمن المخطط الإيراني السعودي الأميركي لتصفية داعش. فحربه الحالية إذن تقع ضمن مخطط أميركي وإقليمي. العراق المتخم بالثروة النفطية، يمكن أن يساهم في لعب دور إقليمي يوازي حجمه، ولكن ذلك يتطلب إنهاء كل مظاهر الطائفية السياسية والظلم المجتمعي والقومي، والبدء بمكاشفة سياسية واضحة، وهذا يتطلب استراتيجية وطنية تتجاوز كافة التخندقات الطائفية السياسية السابقة. هذا بداية الحل فقط، ودون ذلك سنشهد المزيد من التأزم الطائفي والقومي، وسيكون العراق معرضاً لمزيد من التفكك، وفي حال حدوث ذلك، ستكون المنطقة بأكملها معرضة لمزيد من التفكك المجتمعي والطائفي والقومي، وهذا ما سيخدم التمدد الإيراني والروسي القادم، وسيترك أثره على السعودية وكافة الدول العربية لاحقاً، أي أنه سيفجرها تباعاً؛ وبالتالي هناك مصلحة حقيقية للعراقيين وللعرب في انتهاج سياسات جديدة، تعتمد الخيار السلمي ما أمكن في الصراع السياسي. ما يحدث في العراق ليس أمراً بسيطاً وقد يغرقه ويغرق المنطقة بأكملها بمآسي جديدة.


كاتب سوري

8