المالكي والبغدادي.. التخادم السياسي "الباطني"

الخميس 2016/08/11

عندما نقول ونكرر أن تنظيم داعش تجمعه أجندة مشتركة مع حزب الدعوة والميليشيات الشيعية في العراق، فإننا لا نضرب في الرمل، ولا نطلق الكلام على عواهنه، وإنما ننطلق من جملة وقائع وأحداث وتواريخ، جرفها التهريج الدعائي والضجيج الطائفي اللذان مازالا يتحكمان في المشهد السياسي، ويغطيان على الكثير من فساد الطبقة السياسية، ويحجبان انتهاكات ومشاريع أقطابها وقادتها.

كان زعيم حزب الدعوة ورئيس الحكومة السابق نوري المالكي قد فُجع من الهبة الشعبية التي اجتاحت الأحياء والمناطق ذات الأغلبية السنية في العاصمة بغداد وخصوصا حزامها، وصعق من تصاعد الحراك الشعبي في محافظات الأنبار وديالى وصلاح الدين والموصل وأقضية كركوك خصوصا الحويجة في عـام 2013، رغم سلمية التظاهرات التي اقتصرت على المطالبة بحقوق مشروعة وخدمات اعتيادية لا تشكل تحـديا لحكـومته التي صدّعت رؤوس العراقيين بأحاديث جوفاء عن الإصلاح.

ولأن المالكي نتاج حزب غير سياسي بضاعته الطائفية، ولا يقبل بالحوار مع الآخر، فقد اعتبر أن ما تشهده المناطق والمحافظات السنية التي تشكل أكثر من ثلثي مساحة العراق، مؤامرة على حزبه المتهالك، ثم حولها إلى حرب “يزيد على الحسين”، مستخدما عبارات سوقية في وصفها، ومحذرا من امتدادها إلى المحافظات الشيعية، متهما مئات الآلاف من المشاركين فيها، بأنهم بعثيون وقاعديون وإرهابيون يتحينون الفرصة للانقضاض على حكم الشيعة الذي جاء بعد مظلومية استمرت أكثر من ألف وأربعمئة سنة، وفق ادعاءاته الغوغائية.

وقد لجأ إلى تخريب الحراك الشعبي السلمي بوسائل يتقنها في استخدام ضعاف النفوس والتهديد بالمادة “4 إرهاب” والترغيب بالأموال والمكافآت، وشكل محورا في المحافظات المنتفضة باسم “سنة المالكي” أغلب عناصره من المكروهين في مناطقهم والخارجين على أعراف وتقاليد بيئتهم، وراح يستمع إلى آرائهم ومشورتهم وهم أصلا ليسوا أصحاب رأي ولا يفقهون في السياسة، وعدد منهم كانوا لصوصا ومهربين وقطاع طرق، والبعض منهم حكم عليهم بالسجن في العهد السابق بتهم جنائية، حولها المالكي بقرارات جائرة، إلى سياسية معارضة لصدام، بينما زجر ناصحين تحاملوا على أنفسهم وذهبوا إليه وأبلغوه بأن جماعة القاعدة (لم يكن لداعش حضور أو ذكر يومذاك) لا وجود لها في التظاهرات والاعتصامات، لأنها لا تعترف بمثل هكذا أنشطة سياسية وفعاليات سلمية وتعدها بدعة وضلالا، ولم يصدق أيضا أفلام فيديو بالصوت والصورة قدمت إليه تبيّن صيحات أتباع القاعدة وهم أنفار في الرمادي والفلوجة، تلاحق المواطنين عند توجههم أيام الجمع لصلاة جماعية، وتصف صلواتهم بأنها باطلة، على أساس أنها صلوات قاعدين عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفق عقيدتهم.

وجاءت حادثة المئتي عجلة (بيكاب دبل قمارة) التي استخدمها الداعشيون الذين انشقت الأرض بهم فجأة وهاجموا شمال الرمادي، لتثير سيلا من الأسئلة عن المخطط الذي رسمه المالكي وعن تحالفاته مع جماعات القاعدة القديمة وتنظيم داعش الجديد، رغم أن العملية برمتها كانت معروفة لقيادات عسكرية وأمنية في الأنبار، تحدثت عن تقديم هذه العجلات هدية إلى الدواعش الجدد في مسرحية جرى فصلها الأول في قضاء القائم، باعتبارها مسروقة من مدينة دير الزور السورية وعبرت الحدود، مع أن تنظيم داعـش لم يكن له وجود في ذلك الوقت، لا في القائم ولا في دير الزور، ولو كان محمد خميس أبوريشة حيا لكشف المزيد عن تفاصيل مشروع التعاون “المالكي الداعشي”.

في السابع من يونيو 2014 قابل مستشار حكومي عشائري، تقطن أسرته جنوبي الموصل، المالكي في مكتبه واشتكى له من تردّي الأوضاع في المدينة وعدم وجود انسجام بين محافظها أثيل النجيفي وقائد عملياتها العسكرية الفريق مهدي الغراوي، واستمع رئيس الحكومة يومئذ، إلى حديث ضيفه المعروف بمعاداته لآل النجيفي وقال له في نهاية الاجتماع وعلى وجهه ابتسامة صفراء “أبشر.. يُوم يُومين وبيت النجيفي (طشارهم ماله والي)”، وهو مثل شعبي عراقي يعني حصول حوادث في المدينة ويتفرق آل النجيفي ويهربون بلا ضبط أو ربط، وخرج المستشار من مكتب سيده وهو في غاية الانشراح وراح يتصل هاتفيا بأقاربه وأصدقائه، ينقل إليهم البشرى التي سمعها من “فخامته” ويدعوهم إلى التهيّؤ والاستعداد.

لقد نجح المالكي في “استيراد” مسلحي داعش إلى العراق، في عملية واضحة الأغراض، وفي مقدمتها إذلال السنة العرب وتصفية المقاومة العراقية وخصوصا الجماعة النقشبندية والفصائل المتحالفة معها التي انتظمت في مطلع عام 2013 وبات لها حضور في أغلب مناطق حزام بغداد والموصل وكركوك وصلاح الدين وديالى وشمال الحلة وشمال الكوت أيضا، وعقدت هدنة “جنتلمان” مع قوات الجيش العراقي والشرطة المحلية، شرط عدم انخراطها في أعمال عنف ضد المواطنين والسكان المدنيين، وهو ما اعتبره رئيس الحكومة السابق خطرا على سلطة حزب الدعوة، خاصة بعد إعلان الجماعة رسميا، أنها حركة معارضة سياسية ومسلحة ضد الطائفية والمحاصصات، وغير موجهة ضد فئة معينة أو طائفة محددة، تسعى إلى حكم وطني مستقر في العراق يقوم على التعددية ومنع التدخلات الأجنبية في الشؤون الداخلية واعتماد الانتخابات الديمقراطية تحت إشراف الأمم المتحدة لتحديد الخيارات السياسية للعراقيين، وهو ما أفزع المالكي الذي استعان بداعش لتنفيذ ما عجز هو نفسه عن تحقيقه، وهكذا فاز التحالف “المالكي الداعشي” وتمكن تخادم الطرفين من توجيه ضربات موجعة لسكان المحافظات السنية، من نتائجها الحالية وجود أربعة ملايين نازح في داخل العراق وأكثر من مليون مهجر في خارجه، وبقية الكوارث تأتي بعد معركة الموصل.

لو كان في العراق قضاء عادل، وسياسيون وطنيون، ومراجع دين منصفون، لوضعوا نوري المالكي في خانة واحدة مع أبوبكر البغدادي، وحاسبوا الاثنين على تعاونهما “الباطني” وفضحوا “تقية” الأول، وكشفوا نذالة الثاني.

كاتب عراقي

8