المالكي وانقلاباته الدستورية

السبت 2014/03/08

لم يعرف العراقيون غير الانقلابات العسكرية طريقا لتغيير أنظمة الحكم منذ سقوط النظام الملكي عام 1958 على يد “الزعيم الأوحد” عبد الكريم قاسم كما لقّبه أبناء الرافدين الذين يغدقون على رؤسائهم هذه الصفات والتسميات والألقاب الخطيرة التي تنقلب وبالا ضدهم فيما بعد.

فالزعيم الأوحد يُصدِّق وحدانيته المقدسة ولا يريد لأحد أن يشاركه فيها، فيتوهم أنه فعلا الزعيم الوحيد الذي لا يدانيه أحد في زعامته، ورجاحة عقله، وقدرته الفذّة على قيادة سفينة البلاد في أوقات المحن وإيصالها إلى ضفة الراحة والأمان.

وبما أنّ الشخصية العراقية في مجملها شخصية مزدوجة المعايير، كما ذهب عالِـم الاجتماع الراحل علي الوردي، فإنه من السهل جدا أن يقتنع هذا القائد العراقي أو ذاك بأنه المنقذ الوحيد للبلد، والقادر على انتشاله من كل أزماته الداخلية والخارجية. فكل القادة الذين تناوبوا على حكم العراق في العهد الجمهوري، باستثناء عبد الرحمان عارف الذي وفرّ “متسعا من الحرية في وقت ضيّق” كما وصفه الوردي، كانوا مستبدين وطغاة أو منفردين بالحكم في أقل تقدير.

من هنا فإن تغيير هؤلاء القادة لا بدّ أن يتم بانقلاب عسكري بسبب غياب الأجواء الديمقراطية، وتشبث القادة المرَضي بكراسي الحكم، وولعهم بالمواكب الرئاسية، وشغفهم بالسجادات الحمر.

وربما نجد بعض العذر لهؤلاء الرؤساء المصابين بداء السلطة لأنهم وصلوا إلى سُدة الحكم على ظهور الدبابات بعد أن دبّروا مؤامراتهم في ليالٍ حالكة الظلام، لكننا لا نستطيع أن نعذر منْ وصل إلى السلطة عن طريق الانتخابات حتى وإن كانت مزوّرة أو غير نزيهة. فالدستور العراقي أو أي دستور آخر يحترم أماني الشعب وتطلعاته، يُفترَض ألا يسمح بالانقلابات العسكرية في رابعة النهار.

لقد نفّذ المالكي انقلابات “دستورية” عديدة خلال ولايتيه المشؤومتين، ولعلّ آخرها وأخطرها على الإطلاق تجاوزه السافر في كلمته الأسبوعية الأخيرة على البرلمان العراقي وتطاوله على شخصية رئيس البرلمان أسامة النجيفي واتهامه بالتآمر على السلطة التنفيذية في محاولة يائسة للتغطية على فشل حكومته في تقديم أبسط الخدمات الضرورية إلى الشعب، هذا ناهيك عن الانهيارات الأمنية المتواصلة ببغداد وعدد من المحافظات العراقية وأبرزها الأنبار وديالى ونينوى وبابل.

وأكثر من ذلك فقد تمادى المالكي حينما دعا بعض البرلمانيين ممن وصفهم بـ”الشرفاء” إلى العصيان والتمرد في سابقة خطرة لم تألفها الدول الديمقراطية ذات النظم البرلمانية، الأمر الذي يكشف عن حجم تدخّله السافر في عمل أهم مؤسسة دستورية أوصلته هو نفسه إلى رئاسة مجلس الوزراء.

نُذكّر المالكي بانتهاكاته المتواصلة للدستور وخرقه للقيم والثوابت الأخلاقية المتعارف عليها في العمل السياسي حينما أزاح إياد علاوي، رئيس القائمة العراقية، بعد فوزه بواحد وتسعين مقعدا، متفوّقا على قائمة التحالف بمقعدين، الأمر الذي دفع المالكي في مشهد انفعالي لا يُحسد عليه حينما خرج على شاشات الفضائيات العراقية وهو يزبد ويرعد مستجيرا بِبدعة القائمة الأكبر التي دعمها في حينه القضاء العراقي-مع الأسف الشديد- وسمح للخاسر أن ينقلب على الفائز في خرق دستوري سافر لكل القيم والثوابت السياسية المعروفة، وأن يضع اللّبِنة الأولى في صرح دكتاتورية المالكي الذي بدأ يشمخ يوما بعد يوم.

إن خلافات المالكي مع طارق الهاشمي، ورافع العيساوي، ومسعود البارزاني، ومقتدى الصدر، دليل قاطع على فشله في التعاطي مع غالبية الشخصيات المؤثرة في المشهد السياسي العراقي، حيث يجعل منها غالبا شماعات لتعليق أخطائه السياسية الفادحة بسبب نزعته الدكتاتورية وميله للتفرّد الدائم بالقرار. وقد وصفته كل الشخصيات آنفة الذكر، إضافة إلى أخرى غيرها بالدكتاتور والمستبد والطاغية، وإلى آخر هذه القائمة المقرفة التي ذُيّلت مؤخرا بـ”الانقلابي” من دون أن تحرّك الإدارة الأميركية ساكنا أو تعلّق بكلمات مقتضبة على صعود نجم الدكتاتور الذي يتطاول على البرلمان الذي أنجبه ولا يجد حرجا في الانقلاب عليه في وضح النهار. وما هذا بمستغرب، فلقد أصبح المالكي سيد الانقلابات الدستورية بلا منازع خلال السنوات الثماني العجاف من حكمه الطائفي التعسفي الظالم لبلاد ما بين النهرين.

لا يحتاج العراقيون إلى الإدارة الأميركية كي تقلّم مخالب الدكتاتور الجديد أو توقف سلسلة انقلاباته “الدستورية” غير المشروعة، لأن هذه المهمة هي من اختصاص العراقيين قبل غيرهم فـ “أهل مكة أدرى بشعابها” خصوصا بعد أن بلغَ السيلُ الزبي، ووصل السكين العظم، واقترب موعد تغيير الفاشلين والفاسدين والمستبدين والضالعين في الانقلابات الدستورية مُذكِّرين إيّاهم في خاتمة المطاف بالحكمة الكامنة تضاعيف البيت الشعري الآتي:

«نَدَمَ البُغاةُ ولاتَ ساعةَ مَنْدمِ والبغيُ مَرْتعٌ مُبتَغِيهِ وخيمُ»

3