المالكي وخروقاته الدستورية

الجمعة 2014/02/28

سعى المالكي منذ الأشهر الأولى لوصوله إلى سُدة الحكم إلى بناء جيش طائفي يتكوّن جُله من الشيعة هدفه الأساسي ليس الدفاع عن الوطن، وإنما الدفاع عن حكومته الطائفية وإبقائه على رأس السلطة لأطول مدة ممكنة، خارقا بذلك أبرز المواد الدستورية التي تتحدث عن التداول السلمي للسلطة، كما خرق في الوقت ذاته الموازنة بين قوميات وأديان ومذاهب الشعب العراقي.

فالجيش العراقي يجب أن يتكون من العرب والكرد والتركمان، والمسلمين والمسيحيين والصابئيين والإيزيديين، والسنة والشيعة، وبقية مكونات الشعب العراقي المتنوعة، ولا يقتصر على الشيعة الذين هيمنوا على الجيش والشرطة، وكل المؤسسات الأمنية والاستخباراتية في البلد.

فلقد سلّم إياد علاوي السلطة إلى الجعفري بشفافية عام 2005، كما تخلّى عنها إبراهيم الجعفري بسلاسة إلى رفيقه في حزب الدعوة الإسلامية نوري المالكي عام 2006، وقد تشبث بها هذا الأخير في دورتين سابقتين ويسعى إلى الاحتفاظ بها لدورة ثالثة، بخلاف تطلعات شرائح واسعة من الشعب العراقي الذي يطمح إلى ترسيخ الانتخابات الحرة والنزيهة، وتعزيز الديمقراطية، وتكريس التداول على السلطة.

وإذا كان الدستور العراقي قد أقرّ الفيدرالية، وأتاح إمكانية تكوين الأقاليم، ولكنه أصرّ في المقابل على عنصر الموازنة في توزيع السلطات والثروات في البلد، وهو تكريس من نوع آخر للطائفية السياسية والدينية والمذهبية، ولكنه أهون الشرّين ومع ذلك فقد هيمنت الأحزاب الشيعية وبسطت يدها على كل شيء هي والتحالف الكردي تحديدا، أما المكون السني فقد هُمِّش تماما على الصعيد الشعبي وليس السياسي، فمن أصل سبع عشرة فرقة عسكرية لم نجد سوى قائد فرقة سُنّي واحد، بينما كل قادة الفرق الأخرى من المذهب الشيعي أو من الأكراد المحسوبين على التقسيم العرقي، الطامة الأخرى التي جلبتها هذه الأحزاب الدخيلة على العراق بعد الاحتلال الإنغلو- أميركي.

إن إلقاء نظرة عاجلة على أرقام المكونين السُني والشيعي في المؤسسات العسكرية والأمنية العراقية، تكشف بما لا يقبل الشك هيمنة الشيعة التي قصدها المالكي بهدف إغاظة المكوّن الآخر الأصيل والانتقام منه بشكل متواصل، فقد قال دون خجل إن “المعادلة القديمة لن تعود” وهو يقصد بشكل صريح عدم عودة السنة إلى الحكم ولكن هيهات أن يتحقق له ذلك، فالعراقيون كلهم من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب مصرّون على التوازن المنطقي الذي يتيح للجميع أن يشاركوا في السلطة وإدارة دفة الحُكم في مختلف مفاصلها، ويتقاسموا ثروات البلاد الوفيرة التي تكفي الجميع وتفيض عن الحاجة، لكن ما يحصل الآن وخلال الدورة الثانية للمالكي تحديدا هي الخروقات الدستورية الفاضحة التي تهدد ما يسمّى بالعملية السياسية برمتها وقد تعصف بالبلاد إلى مصير أسود مجهول.

فمن غير المعقول أن تحمل بعض سيارات الجيش والشرطة صورا وأعلاما طائفية للرموز الشيعية التي تستفز لا المكون السُني فحسب، وإنما بقية المكونات الرئيسة التي ارتضت بالحكم الديمقراطي الرشيد، لا بالنزعة الطائفية المقيتة التي تستفز الطرف الآخر من جهة، كما تستفز المثقفين والعلمانيين والليبراليين بناة البلد الحقيقيين ومفخرته الأولى والأخيرة.

إن رفع هذه الأعلام والصور الطائفية، بل وأكثر من ذلك رفع صور القادة الإيرانيين ورموزهم الدينية يشكّل خرقا فادحا وخطيرا للنظام الديمقراطي الوليد الذي شوّهته الأحزاب الدينية الشيعية في العراق.

إن خرق الدستور يتمثل أيضا في الانفلات الأمني الذي تشهده العديد من المحافظات العراقية وعلى رأسها الأنبار وصلاح الدين ونينوى وكركوك وديالى وبابل والعاصمة بغداد، بينما يؤكد دستور البلاد على ضرورة تحقيق الأمن والأمان لكل العراقيين. إن الأعوام الثمانية من حكم المالكي التي مرّت أثبتت بالدليل القاطع أن الخروقات الدستورية سببها القوات العسكرية والأمنية الطائفية التي خلقها المالكي وراهن عليها، لكن هذه القوات لم تؤدّ واجبها ولم تلتزم بالقسم الذي يُفترض أن تؤديه بكل أمانة وإخلاص، فقد فشلت فشلا ذريعا في أن توفر الحماية للمواطنين العراقيين ليس في المحافظات الست المنتفضة فقط، وإنما في معظم محافظات الفرات الأوسط والجنوب العراقي أيضاً، بل والأدهى من ذلك أن المالكي نفسه وصف في حديثه الأسبوعي الأخير أن مدينة سليمان بيك التابعة لمحافظة صلاح الدين قد باتت تسمّى “تورا بورا” إشارة إلى سيطرة الإرهاب الديني والقوى المسلحة عليها.

ولا أريد أن أعلّق على هذا التوصيف سوى أن أقول للمالكي: كيف تستطيع أن تنام ملء جفونك وقد تحولت سليمان بيك إلى تورا بورا جديدة؟ أليس هذا خرقا فاضحا للدستور العراقي الذي لم تبق فيه مساحة غير مخترقة بفضل توجهاتك الطائفية التي سوف يقبرها العراقيون رغم صدقاتك التي توزعها من بيت المال العراقي على المتضورين جوعا الذين يعيشون تحت خط الفقر. كما أن هؤلاء المغلوبين على أمرهم قد أيقنوا بالدليل أنك تخرق الدستور يوميا وفي كل خطوة تخطوها، ولا تمتلك أخلاق الفرسان وشجاعتهم حينما ترجلوا من موقع المسؤولية وعادوا إلى صفوف الجماهير ليمارسوا دور المواطن العادي.


كاتب عراقي

9