المالكي وخطاباته الترويعية

السبت 2014/02/01

دأب السيد المالكي منذ تسنّمه سُدة الحكم قبل ثمانية أعوام وحتى الوقت الراهن على منطق القوة والترويع التي لا يُجيزها الدستور العراقي، الذي يُفترَض أن يستمد سلطاته الثلاث من الشعب الذي أوصلَ أعضاء الحكومة والبرلمان بانتخابات يُفترض أيضا أن تكون حرة وديمقراطية وتنطوي على قَدر معقول من الشفافية والنزاهة.

غير أن المتتبع للمنهج السياسي الذي يتبناه المالكي يكتشف دونِ عناء ميله إلى منطق القوة، ونفوره من قوة المنطق، ذلك لأن ذهنيته عضلية تميل إلى المُداهمة والصِدام بدل الجلوس على طاولة مستديرة تهيئ للأطراف المتنازعة فرصا قد تقودهم إلى حلول منطقية لم تخطر على بالهم من قبل.

لعل القارئ الكريم يتذكر ما سُمّي بـ”صولة الفرسان” التي شنّتها قطعات المالكي على بعض المجموعات المسلحة والميليشيات التي كانت تعمل خارج إطار الدولة في محافظة البصرة، بل إنه لم يجد حرجا في التصريح بأنه قاد العمليات العسكرية بنفسه خلافا لما ورد في الدستور العراقي الذي لا يتيح لرئيس مجلس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة أن يقود هجمات عسكرية، هدفها دعائي وانتخابي بكل تأكيد، على مجموعات مسلحة وعصابات خارجة على القانون.

لقد قام بهذه الدعاية المجانية لنفسه بحكم منصبه وتشبثه بالسلطة لدورة رئاسية ثانية. كما استعمل الأسلوب ذاته في فضّ الاعتصامات وتفريق المتظاهرين في محافظة الأنبار، وأكثر من ذلك فقد أقدم على اجتياح بعض المناطق المحتدِمة مثل الملعب وشارع ستين رغم تكبيد المدنيين الأبرياء خسائر فادحة في الأرواح والأملاك الخاصة والعامة، ناهيك عن تهجير عشرات الآلاف من الأنباريين إلى كردستان وبقية المحافظات العراقية المجاورة وعلى رأسها مدينة كربلاء التي كانت بحق الحضن الدافئ الذي استقبل عوائل النازحين وأكرمهم وأحسن وفادتهم.

تساءل الكثير من المحللين السياسيين عن سبب هذا التوقيت في إنهاء الاعتصامات بالقوة وإعلان الحرب على القاعدة و«داعش»، علما وأن القاعدة كانت متواجدة في العراق منذ الاحتلال الإنغلو- أميركي للعراق ثم تبعها ظهور تنظيم داعش منذ أكتوبر 2006، فأين كان المالكي من هذين التنظيمين الإرهابيين؟ ولماذا لم يشنّ هجماته العسكرية على قواعدهما قبل فض الاعتصامات بالقوة، وهو المنهج الوحيد الذي يتقنه ويتفنن فيه؟

لقد ترك المالكي القاعدة وداعش وعددا آخر من التنظيمات والجماعات المسلحة تتغلغل في الأنبار والفلوجة والصقلاوية وبقية المدن والقصبات التابعة لهذه المحافظة، كي يضرب عصفورين بحجر واحد، فهو من جهة يريد أن يقول للبيت الأبيض أنه يحارب الإرهاب، ومن جهة ثانية يريد أن يظهر أمام مؤيديه وأنصاره بأنه صاحب اليد الطولى التي تستطيع أن تضرب أي مكوّن سياسي أو عرقي أو مذهبي في العراق. لم يكتفِ المالكي بتقنيته الترويعية الممنهجة وإنما أوحى لمؤازريه الحزبيين والطائفيين أن يبثوا الرعب في صفوف العراقيين من خلال بعض التصريحات الغريبة اللامسؤولة مثل تصريح السيدة مريم الريس، وهي مستشارة للمالكي، حيث قالت قبل بضعة أيام إن “عدد الإرهابيين في العراق هو نصف مليون إرهابي” وهذا رقم خيالي في واقع الحال ولكن الهدف من بثّه هو ترويع المواطنين العراقيين من جهة، وإظهار المالكي بمظهر المنقذ والمخلّص لهذا الشعب “المظلوم” في محاولة يائسة لترسيخ مظلومية الشعب العراقي ومحروميتهم أبد الدهر. كما صرّح عدنان الأسدي، وكيل وزارة الداخلية أن “السلاح الذي جمع في الفلوجة ضخم وكبير وحديث ويكفي لاحتلال بغداد”.

وبغية تحويل الفلوجة إلى بعبع مخيف فقد نشرت الفضائية العراقية قائمة بالتنظيمات والمجموعات المسلحة المعارضة للعملية السياسية وأبرزها جماعة النقشبندية التي يقودها عزت الدوري، والجيش الحر الذي يرأسه محمد يونس الأحمد، وجيش المجاهدين الذي يقوده حارث الضاري إضافة إلى جماعة النصرة، والجيش الإسلامي وداعش التي يتزعمها أبو بكر البغدادي.

لم يبق على الانتخابات النيابية إلاّ مدة قصيرة جدا لذلك تصاعدت وتيرة الأزمات التي ابتدأت بالحرب على داعش والقاعدة وبقية المجموعات المسلحة. ثم طفت إلى السطح أزمة البسكويت المنتهية صلاحيته ومحاولة توزيعه على طلبة المدارس الابتدائية في عموم العراق، وأخيرا أُردفت بأزمة تحويل بعض الأقضية “المحرومة والمظلومة” إلى محافظات، ثم تشظى العدد ليشمل تلعفر وطوز خورماتو على أساس طائفي وعرقي، ثم انهار جدار الخجل لتعلن خانقين والزبير والجبايش ومدينة الصدر عن ضرورة تحويلها إلى محافظات. كما طالبت بعض المحافظات مثل الموصل وصلاح الدين والبصرة بتحويلها إلى أقاليم منفصلة كي تحظى بأكبر قدر من مغانم الموازنة العراقية.

أما كل الأزمات مع إقليم كردستان فقد رُحلت إلى أجل غير مسمّى لا يصب في مصلحة الشعب العراقي المبتلى بالساسة الجدد الذين لا يتقنون سوى صناعة الأزمات المتتالية، واللعب على الأوتار الطائفية، وتكريس سياسة الصدمة والترويع التي ورثوها عن قطعات المارينز المحتلة التي فتكت بالبلاد والعباد. العراقيون من جهتهم يدركون أن الدورة البرلمانية الحالية قد أشرفت على الانتهاء، وليس في وسع البرلمانيين إصدار قرار بشأن تحويل الأقضية إلى محافظات أو بعض المحافظات إلى أقاليم. والأزمة برمتها لا تعدو أن تكون زوبعة في فنجان ولا تخرج عن إطار الدعاية الانتخابية التي صدمت العراقيين، هي الأخرى، وروّعتهم وكأنّ الكُتل السياسية تستنسخ مناهج الصدمة والترويع التي استوحاها المالكي من خبراء البيت الأبيض، وسوف يطبّقها على كل المحافظات المُعتصمة أو التي تفكر في الاحتجاج.


كاتب عراقي

9