المالكي وسياسة التعتيم الإعلامي

الثلاثاء 2014/03/04

دأبت الماكينة الإعلامية للمالكي على اتباع سياسة التعتيم الإعلامي فيما يتعلق بالانهيارات الأمنية الكبيرة وسقوط بعض المدن بكامل قراها وقصباتها بيد الإرهاب أو المليشيات أو القوى المسلحة المناهضة للعملية السياسية التي جاءت بعد التغيير. وخلافاً للدستور العراقي تقوم وسائل الإعلام الحكومية المرئية والمسموعة والمكتوبة بالتعتيم على أي انهيار أمني يحدث في هذه المحافظة العراقية أو تلك، تماماً كما يحصل الآن في محافظة الأنبار وبقية المدن والقرى التابعة لها حيث أعلنت الحكومة في بيان مقتضب أن القوات العراقية متجهة إلى وادي حوران والصحراء الغربية للعراق لمقاتلة العناصر الإرهابية لـ”داعش” والقاعدة لكنها استدارت في ظروف غامضة لتهاجم محافظة الأنبار وتحاصر الفلوجة، بحجة أن “داعش” كانت على وشك إعلان جمهوريتها الإسلامية في تلك المضارب بعد أن أحكمت السيطرة عليها وأسقطت كل معسكراتها ومخافر الشرطة فيها ولم تُبقِ فيها أي تواجد للحكومة العراقية التي جنّدت بحسب التصريحات الرسمية (27.500) شرطي في هذه المحافظة على وجه التحديد، لكنها لم تصمد أمام العصابات الإرهابية والعناصر المسلحة التي طبعت عملتها الجديدة وباتت تتعامل بها في الأسواق المحلية.

ولعل السؤال الرئيسي الذي ينبثق هنا ويحتاج إلى إجابة سريعة ومُلحّة هو: لماذا تعتِّم حكومة المالكي على حقيقة ما يجري في الأنبار والفلوجة وبقية المدن والقرى العراقية الساقطة بيد الإرهاب؟ ولماذا تمنع كل وسائل الإعلام العراقية والعربية والأجنبية من الوصول إلى هذه المدن المُحتَلة من قِبل الإرهاب والعناصر المسلحة؟ وما الذي تبتغيه حكومة المالكي من حجب المعلومات والعمليات العسكرية المُروّعة التي تقع في هذه المحافظة المترامية الأطراف؟ آخذين بعين الاعتبار أن نتائج النزوح الجماعي للمدنيين من الأنبار إلى المحافظات العراقية المجاورة يكشف عن جانب من الأسباب التي دعتهم لهذه الهجرة القسرية، لكننا لم نعرف الجوانب الأخرى التي يمكن أن تقع في إطار التطهير العرقي أو الطائفي. وفي الإطار ذاته يشكو المحللون العراقيون من غموض الصورة، وقلّة المعطيات التي تؤهلهم لمعرفة ما يجري من فعاليات عسكرية قد لا تكون بمنأى عن ارتكاب الفظائع وجرائم الإبادة الجماعية للناس الأبرياء الذين لا ذنب لهم سوى فشل الدولة في إدارة ملفها الأمني، وعدم قدرتها على بسط نفوذها على عموم المدن العراقية.

نُذكّر المالكي بأن هذا التعتيم المطبق على ساحات المعارك، والحجب الكامل للمعلومات، ومنع المراسلين الحربيين في الأقل من تغطية الأحداث هو مخالفة دستورية يعاقب عليها القانون، بل هي خرق دستوري فاضح قد يخبّئ وراء الأكمة ما وراءها. إن ما يزيد الطين بلّة هو أن رئيس مجلس الوزراء، وهو نفسه القائد العام للقوات المسلحة، ووزير الدفاع والداخلية بالوكالة، والمسؤول عن عدد من الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، لا يعرف على وجه الدقة ماذا يعني سقوط محافظة مثل الأنبار أو مدينة كبرى بحجم الفلوجة أو مدن متوسطة الحجم مثل سليمان بيك، والشورة، والمسيّب، وجرف الصخر، والسعدية، والصقلاوية، والخالدية وغيرها. ففي الوقت الذي يتوجب عليه أن يقدِّم استقالته الفورية هو وأعضاء حكومته الفاشلة التي حققت انفلاتا أمنياً غير مألوف، وهجرة داخلية غير مسبوقة، يأتي ليصرِّح من فضائيته الحكومية بأن سقوط عدة قذائف على مدينة المسيّب لا يعني سقوطها “فلقد سقط على المنطقة الخضراء 720 صاروخاً لكنها لم تسقط”. ترى، كيف يستطيع رئيس مجلس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة العراقية أن يدير دفّة البلاد بهذه الذهنية المتواضعة التي لا تعرف تمارين معركة الحضيرة؟ ولا تقدِّر خطورة سقوط هذا العدد الكبير من الصواريخ على قصره الجمهوري المحصّن؟

وعلى الرغم من هذا التعتيم الإعلامي الكامل على طبيعة ما يجري في المدن والقرى العراقية المُنتهكة في رابعة النهار، تتسرّب للمواطن العراقي الكثير من الحقائق الدامغة من بينها أن هجوم قوات الشرطة التابعة لمحافظة نينوى على ناحية الشورة التي سقطت تحت قبضة الإرهاب قد أثبت فاعليته كما تدّعي شرطة المحافظة، ومنَعَها من أن تتحول إلى فلوجة ثانية كما ساهَم الهجوم في تطهير عشر قرى أخرى تابعة للمحافظة ذاتها وهي “شويرات والبكر وسروج وزلحفة والمغر وأبو فشكة وأبو قلاوين واوبير البو حمد والخرار والقاهرة”، بينما كان الإعلام الحكومي يتستر على هذا العدد الكبير من القرى والأرياف العراقية التي خرجت من سيطرة الدولة التي لا تخجل من هذه الانهيارات الأمنية المتتابعة، كما لا تجد حرجاً في حجب هذه المعلومات والتستر عليها في ظل ما تسمّيه بالنظام الديمقراطي للعراق الجديد، متناسية أن الأنظمة الديمقراطية في العالم تصارح شعوبها بكل صغيرة وكبيرة، ولا يحق لها أن تحجب عنها أبسط الأخبار.

وتأكيداً للانهيارات الأمنية المتواصلة، ليس في المدن والقرى النائية عن المركز فحسب، وإنما في حزام بغداد فلقد ناشد رئيس البرلمان العراقي السابق محمود المشهداني في الساعات الأخيرة رئيس الوزراء نوري المالكي بأن يجد حلاً للانفلات الأمني الذي تشهده المناطق المحيطة بالعاصمة، وحمّل وزير الدفاع بالوكالة مسؤولية ما يجري من عمليات قتل بشعة تروِّع المواطنين الأبرياء يومياً.

نُذكِّر المالكي بأن التصفيات الجسدية والقتل بالأسلحة الكاتمة للصوت لا يقتصر على بغداد والمناطق المحيطة بها مثل المِشاهدة، والدورة، والشورتان، والشعب، والزعفرانية وغيرها من المناطق المستباحة وإنما امتدّ إلى محافظة بابل وشريطها الشمالي، وهذا إيذان خطير يوحي بما لا يقبل الشك بأن مدن الفرات الأوسط والجنوب لن تكون بمنأى عن الانهيارات الأمنية القادمة طالما أن المالكي لا يرى في كواتم الصوت، والتصفيات الجسدية، وقصف المدن، وغياب عناصر الدولة الأمنية، سقوطاً للمدن وانهياراً للأمن، فما هو السقوط والانهيار الأمني يا سيادة رئيس الوزراء؟

في الختام لا بدّ من الإشارة إلى أن الشعب العراقي المقبل على الانتخابات لن ينتخب الفاشلين، والفاسدين، والإرهابيين الذين يروّعون أبناء الشعب العراقي تحت ذرائع شتى، كما لا ينتخب الذين لا يعرفون معنى الانهيارات الأمنية، ولا تقشعر أبدانهم، وترتعد فرائصهم حينما تتحول حياة العراقيين إلى جحيم لا يطاق.


كاتب عراقي

8