المالكي وهوس الخطاب الطائفي

السبت 2014/01/25

إن المتتبِّع لتصريحات السيد نوري المالكي في خطاباته وكلماته الأسبوعية ومؤتمراته الصحفية التي يعقدها بين أوان وآخر، يتبين أنها تنطوي على نَفَس طائفي واضح لا يمكن السكوت عنه لأنه يضرّ بمصلحة العراق والعراقيين معا. ولعل أخطر هذه التصريحات الهوجاء التي أطلقها قبل سنوات هي قوله “إن المعادلة القديمة لن تعود” وهو يعني بذلك أن “السُنّة” لن يعودوا إلى سُدة الحكم مرة أخرى ولن يتسنّموا منصب رئيس مجلس الوزراء على وجه التحديد، خصوصا وأنّ الصلاحيات كلها تتجمع بيد هذا الرئيس الذي لا يختلف كثيرا عن أي رئيس ديكتاتوري يحمل بيده أهم الحقائب الوزارية السيادية والأمنية، متناسيا أن كل الرؤساء العراقيين السابقين السُنة هم الذين بنوا العراق وحافظوا عليه من الاعتداءات الخارجية وشبح التقسيم الداخلي، كما حقنوا الدماء العراقية الكريمة بغض النظر عن القومية والعرق والدين والطائفة والمذهب واللون واللغة وما إلى ذلك. أما في عهد السيد المالكي فقد استبيح العراق من أقصاه إلى أقصاه وصار ساحة للأطماع الإقليمية في أقل تقدير.

لا تمرّ بضعة أشهر إلا ويخرج السيد المالكي بتصريح مسموم يعيدنا أربعة عشر قرنا إلى الوراء، لأنه يريد للشعب العراقي أن يعيش في الماضي البعيد الذي انزوى في المتاحف واندرج في رفوف المكتبات التقليدية. تُرى، ما الذي يدفع السيد المالكي إلى أن يقول بكربلاء “إنها يجب أن تكون قِبلة للمسلمين” وأن النزاع الدائر في العراق هو “بين أنصار الحسين وأنصار يزيد”؟ ألا يشاهد السيد المالكي اللقاءات الميدانية التي تجريها العديد من القنوات الفضائية العراقية مع المواطنين في كل المحافظات العراقية دون استثناء، ويستوعب هذه اللُحمة القوية بين شرائحه المتعددة قوميا ودينيا ومذهبيا. فما من عراقي سوي إلاّ ويقدِّم المصلحة الوطنية على مصلحة الحزب والمذهب والطائفة. وهذا النزوع الوطني الأصيل الذي لا يفرّق بين عربي وكردي وتركماني وكلدو- آشوري وصابئي وإيزيدي وشبكي وفيلي وما إلى ذلك، كما لا يفرّق بين سُني وشيعي على وجه التحديد، هو “بيت القصيد” الذي يسعى العراقيون إلى تحقيقه على أرض الواقع. فالمالكي يلعب بالنار كلما اقتربت دورة انتخابية جديدة لأنه لا يفكر أبدا في مغادرة هذا الكرسي اللعين، ولذلك يحمل منخسه الطائفي ليوقد الفتنة النائمة التي تدغدغ مشاعر شريحة محددة من ضعاف النفوس الذين يلعبون مثله على الوتر الطائفي ويؤججون بعض الجمرات المطمورة تحت أطنان من الرماد المنسي في مواقد الطائفيين.

لقد عوّد المالكي العراقيين جميعا على توالد الأزمات وتناسلها الواحدة من رحم الأخرى. وعلى الرغم من خطورة كل الأزمات السابقة مع الكتل السياسية وإقليم كردستان الذي وصل إلى حدّ الاستعداد للمواجهة العسكرية، إلاّ أن تظاهرات الأنبار كانت أخطر هذه الأزمات قاطبة ذلك لأن احتجاجاتهم كانت شرعية وقانونية، وقد اعترف المالكي ببعضها مستنكرا البعض الآخر منها. غير أن تصريحاته الهوجاء التي تخلو من أية نبرة سياسية وخبرة في التعاطي الدبلوماسي هي التي كانت تؤجج النيران وتفتح مساحة جديدة للحقد والبغضاء وتؤسس لثقافة التمييز والكراهية.

فبحجة تسرّب بعض الشعارات الإرهابية أو التي تصطف إلى جانب هذه الدولة المجاورة أو تلك وصف المالكي هذه الشعارات بـ”العفنة” وهو يشير من طرف خفي إلى كل المتظاهرين السُنة الذين طالبوا بإطلاق سراح السجناء الأبرياء من النساء والرجال، كما طالبوا بحزمة الخدمات التي طالبَ بها العراقيون في البصرة وذي قار وكربلاء والنجف والموصل وصلاح الدين وبقية المحافظات العراقية والتي لم تتحقق غالبيتها حتى هذه اللحظة، بل انضافت إليها كوارث جديدة لعل أبرزها غرق عدد كبير من المحافظات العراقية بما فيها العاصمة بغداد.

لا يزال المالكي يعتقد بأنه في مأمن من المظاهرات المليونية التي قد تهزّ عرشه في أية لحظة ولعل تخبّطه في معركة الأنبار التي يحاول فيها أن يوحي للعراقيين وللمجتمع الدولي بأنها معركة ضد الإرهاب، والتي سطع فيها نجم “داعش” هذه المرة هي في حقيقة الأمر معركة ضد أبناء السنُة في الأنبار ومدنها المتعددة وعلى رأسها الفلوجة التي واجهت المارينز الأميركي، وتصدّت للآلة العسكرية الأميركية على الرغم من ضخامتها وتطورها التكنولوجي.

وعلى المالكي أن يستشف الدرس من أبناء كربلاء وعشائرها الكريمة التي تستقبل يوميا مئات العوائل الأنبارية النازحة من قصف القطعات العسكرية لمدن الأنبار وقصباتها، ويكفّ عن بثّ سمومه الطائفية لأن شيعة العراق يحبون سُنته ويحتضنونهم مثلما يحتضنون أبناءهم لأنهم يراهنون على مصلحة الوطن قبل مصلحة الحزب أو المذهب أو الطائفة التي ينتمون إليها. لقد قلت ذات مرة “بأنك شيعي وتفتخر بشيعيتك” بينما يفتخر معظم العراقيين بعراقيتهم وإخلاصهم لهذا الوطن، فما عليك إلاّ أن تأخذ العبرة والحكمة من أبناء هذا الشعب الأصيل. وهي دعوة أخيرة لطيّ صفحة هذا الخطاب الطائفي المقيت الذي يستهجنه المواطن العراقي البسيط فكيف بمن يتسنّم سُدة السلطة. ولتتذكر دوما بأنّها “لو دامت لغيركَ لما وصلت لكَ” والحليم من الإشارة يفهم.


كاتب عراقي

9