المالكي وولاية ثالثة من أجل الكراهية

السبت 2014/05/10

أهو جنون الحكم أم هي امتيازاته ما تدفع بنوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي إلى التشبث بالسلطة بعد ثماني سنوات، أثبت فيها أنه لا يملك الاستعدادات التي تؤهله للقيام بواجبات وظيفة، ينتفع منها الناس في مكان عام إلا إذا كان ذلك المكان حسينية أو ما شابهها من الأماكن المغلقة التي يرتادها بشر لا يعولون على خدماتها المباشرة بقدر ما يهتمون برمزيتها القطيعية. فكيف به وقد احتل منصب رئيس السلطة التنفيذية في بلد سلمته الحروب المتلاحقة للخراب الشامل؟

كانت الجهات التي استند المالكي إلى رضاها في البقاء في منصبه لولاية ثانية مطمئنة إلى أنه لن يترك أثرا في الحياة السياسية العراقية. سيكون أثره شبيها بشخصيته التي يمكن تفادي تذكرها بيسر.

كل ما قاله الرجل وكل ما فعله كان منصبا على التلويح بالحرب الأهلية التي وقع جزؤها الأول في ولايته الأولى وكان عاقدا العزم على أن تشهد ولايته الثانية الجزء الثاني منها. غير أن شريحة من العراقيين قاومت مشروعه وأفشلته. كان القبول به رضوخا لإرادة دولية، وكان العراق محتلا.

لقد قيل يومها “ليكن المالكي ما يكونه على مستوى الأفكار التي يؤمن بها، بشرط ألا يستعمل تلك الأفكار في تكريس نزعة طائفية مريضة”. وهو الامتحان الذي فشل فيه. عراقيته كانت دائما على المحك، غير أنه في كل ما فعله كان قد انزلق بها إلى هاوية حدودها الضيقة. كان قد همش عراقيته لصالح مذهبيته. غير أن شيعيته هي الأخرى كانت انتقائية. ولولا وجود أطراف حزبية شيعية المذهب، هي جزء من الطاقم السياسي الذي كرسه المحتل الأميركي للتصرف في شؤون العراق والتحكم بمصائر العراقيين، لكان المالكي قد أعلن حزب الدعوة باعتباره الفرقة الناجية في مواجهة الجميع. لقد عاش حياته كلها سجين خرافات حزب إرهابي، لا يرى العالم إلا من خلال فتحة نفق مظلم. حياة ضيقة لم تكن تتسع إلا أمام خبرة القتل والمكائد والدسائس.

وهي الحياة التي لم تكن مهيئة للانتقال بمن عاشها إلى أن يكون مرئيا تحت الشمس، بل وحاكما لا يُرد له طلب. كان حلمه أن يقبل يد خامنئي فإذا به يجلس على كرسي مطمئنا إلى أن أيقونته الإيرانية تنصت لكلماته.

الرجل الذي لم يكن يحلم يوما ما في أن يستعيد وظيفته الصغيرة في مديرية تربية الحلة، مركز محافظة بابل، قدر له أن ينفق تريليون من الدولارات بطريقة عبثية، كان الهدف منها تكريس وجوده حاكما مطلقا.

ثماني سنوات من حكمه مرت من غير أن يتمكن العراق من مغادرة النفق المظلم الذي أدخله فيه الاحتلال الأميركي. وهو نفق تسكنه وحوش من كل الأنواع، بعضها لا يزال نائما فيما استنفد البعض الآخر أغراضه واختفى. كان المالكي ماهرا في صناعة الفزاعات التي ساعده وجودها في إشاعة أجواء الرعب بين صفوف العراقيين البسطاء. وهو ما دفعهم إلى السكوت عما يُلحق بهم من ظلم يومي، مخافة أن يقع الأسوأ. أما خصومه، فإنهم يدركون أن استمراره في الحكم فاشلا أفضل من خروجه من الحكم ناجحا. معادلة تستفيد منها أطراف عديدة، ليس من بينها الشعب العراقي.

فمن خلال فشل المالكي في أن يكون رجل دولة، وطني في نظرته إلى استقلال العراق ووحدة أراضيه وحرية وكرامة العراقيين، نزيه في تصرفه بالمال العام استطاع اللصوص وقطاع الطرق والأفاقون أن يتسللوا إلى مفاصل الدولة لينهبوا الجزء الذي تبقى من ثروة العراق، بعد أن أنفق المالكي الجزء الأساس في شراء الولاءات.

لقد أدرك الفاسدون أن جنون الحكم وقد تمكن من المالكي لن يجعله قادرا على فتح ملفاتهم، هذا إذا لم يكن المالكي نفسه قد تورط في الفساد، وهو ما تؤكده مشاريع وهمية كثيرة كانت قد جرت برعايته.

يوما ما سيقول القضاء العراقي ما إذا كان المالكي فاسدا أم لا، غير أن ثماني سنوات من الخراب، عاشها العراقيون ينصتون إلى خطاباته المحملة بالعدوانية تكفي لتقديمه إلى القضاء بتهمة الحث على الكراهية.


كاتب عراقي

9