المالكي ووهم الجيش الرديف

الثلاثاء 2014/06/17

لم يستطع نوري المالكي أن يتخلص من نَفَسه الطائفي على مدى الأعوام الثمانية الماضية التي مرّت خلال ولايتيه المُكتظتين بالمشاكل والأزمات المتتالية التي خلقها هو وأعضاء حلقته الاستشارية الضيقة مدفوعاً ببعض أقطاب حزبه الذين أثبتوا فشلهم الذريع في إدارة الدولة، وكرّسوا النزعة الطائفية السياسية بامتياز متناسين أن النسيج الاجتماعي العراقي عصيّ على التمزيق، وأن وحدة العراق غير قابلة للقسمة على ثلاثة.

ووهْم التقسيم الذي يلهثون وراءه لا يمكن أن يتحقق بوجود هذه الأحزاب الهشّة التي قدِمت من وراء الحدود، حتى وإن كان وراءها أكثر من قوة إقليمية تسعى لإضعاف العراق وشرذمته إلى ثلاث دويلات صغيرة سوف تظل تتقاتل إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا.

خلال السنوات العجاف لحُكم المالكي بات العراقيون يعرفون جيداً مَنْ هي الأصوات الطائفية التي تنفخ في قِربة مثقوبة ولا يصل صدى صراخها الأرعن إلاّ إلى ذوي النفوس المريضة التي تأصّل فيها الداء الطائفي، ولن تنجح كل مصحّات العالم النفسية في إعادتهم إلى رشدهم أو إرجاعهم إلى الطريق الوطني القويم الذي يمشي فيه غالبية العراقيين الأسوياء المحبّين لوطنهم، باستثناء شذّاذ الآفاق من الموتورين، والمحرّضين على العنف، والمملوءة قلوبهم قيحا.

لم يأخذ المالكي على محمل الجد أياً من الأفكار والآراء المعتدلة التي أدلى بها الكُتّاب والمفكِّرون والمحللون السياسيون خلال أحاديثهم ولقاءاتهم التلفزيونية، أو تلك المقالات التي دبّجتها أقلامهم في الصحف والمجلات والدوريات المحلية والعربية والعالمية على حدٍ سواء. والسبب في ذلك هو النفس الطائفي، وضيق الأفق، واعوجاج الرؤية الفكرية التي لا تؤهله لعمل أي شيء سوى الدوران في حلقة مفرغة.

لقد نبّهنا المالكي في مقال سابق بأن هناك عدة أسباب لانهيار الجيش العراقي الحالي أمام أية صرخة تُطلق في واد، فهو مذعور لأنه لا يرتكن إلى عقيدة قتالية تضع الوطن في مقدمة أهدافها المقدسة. كما لعب دمج العناصر المليشياوية إلى تقويض مهنية هذا الجيش الذي تراجع أمام بضع مئات من المسلحين كما يدعي المالكي وأنصاره زوراً وبهتاناً.

وحتى لو كان بين المسلحين الذين أسقطوا نينوى وصلاح الدين بضع مئات من “الدواعش” فلن يكون بمقدورهم أن يُسقطوا ثاني أكبر مدينة في العراق بهذا العدد المحدود، ثم يتمددوا مثل السحرة ليسقطوا مدينة تكريت بكل ضواحيها ونواحيها وأقضيتها. وإذا كانت حجة المالكي بأن هناك خيانة أو مؤامرة تحوك خيوطها هذه الكتلة السُنية أو تلك، فهل سقطت محافظة صلاح الدين بخيانة أو مؤامرة أخرى. وإذا كان الأمر كذلك فهل أن سقوط مدينتي جلولاء والسعدية القريبتين من قضاء خانقين الحدودي قد تم بمؤامرة ثالثة؟

إن جيش المالكي الذي بُني على أساس طائفي هو السبب الأول في الانهيارات الكارثية. فحتى الطائفيين الذي اختارهم المالكي لهذا الجيش لم يقتنعوا بتوجيه فوّهات بنادقهم صوب إخوتهم وأبناء جلدتهم، فكيف تريد أن تُشعل حرباً طائفية مقيتة يكون فيها الخاسر الأوحد هم العراقيون جميعا؟

كنا ننتظر من المالكي أن يصحو بعد هذه الصدمة القوية التي هزّت العالم وشغلت الدنيا بأسرها، لكنه خرج علينا بقرارات معتوهة يرمي من خلالها إلى تعميق الشِّق الطائفي، فقد دعا البرلمان العراقي إلى التصويت على “قانون الطوارئ” الذي يحصل بموجبه على سلطات إضافية تخوّله حق المداهمة والتفتيش من دون مذكرة قضائية، وتمكنه من وضع قيود كثيرة على حرية المواطنين العراقيين والأجانب، وتمنحه الحق في اتخاذ إجراءات احترازية على الطرود والرسائل البريدية والبرقيات وأجهزة الاتصال السلكية واللاسلكية وما إلى ذلك.

لم يُدرك المالكي استحالة الموافقة على استصدار مثل هذا القانون في هذا الظرف الدقيق الذي يمرّ به العراق، والمأساة التي يعيشها العراقيون سواء من التجأ منهم إلى كردستان أو من بقي منهم تحت رحمة القصف المدفعي للأطراف المتنازعة.

لقد دعا المالكي إلى تأسيس جيش رديف قوامه الشباب الشيعي العاطل عن العمل في محاولة يائسة لتعميق الهوّة الطائفية بين السُنة والشيعة، هذين المكوّنين المتآخيين منذ أكثر من أربعة عشر قرناً.

كما شجّعت أطراف شيعية أخرى على تشكيل على تشكيل “سرايا السلام” بحجة الدفاع عن الأماكن المقدسة في عموم المدن العراقية. وربما تكون أخطر هذه الدعوات هي دعوة قاسم سليماني، قائد فيلق القدس الإيراني، إلى تأسيس (الحرس الثوري العراقي) على غرار (الحرس الثوري الإيراني) كبديل للجيش المنهار.

إن زجّ أعداد غفيرة من أبناء العراق الشيعة على وجه التحديد تحت حجج واهية من قبيل محاربة الإرهاب أو دحر قوى الظلام أو حماية المناطق المقدسة، هي الخطوة الأولى التي ستقدح النار في فتيل الطائفية على أمل أن يتقسّم العراق إلى ثلاث دويلات صغيرة وضعيفة يمكن أن تتحكم بها إيران أو تركيا من جهة، وبعض البلدان العربية من جهة أخرى.

إن سقوط مدينتي جلولاء والسعدية في محافظة ديالى التي سوف يسيطر عليها المسلحون في غضون يوم أو يومين في أبعد الأحوال، يضعنا أمام التوصيف الحقيقي للجيش العراقي الراهن الذي يفتقر إلى العقيدة القتالية ولا يستطيع أن يواجه لا الإرهاب الخارجي الذي نقف ضده جميعاً، ولا المسلحين العراقيين الذين يئسوا من التعامل مع المالكي لأنه لا يستطيع أن يرتدي العباءة الوطنية.

فلقد فُصلت العباءة الطائفية على مقاساته التي لا تنسجم مع رؤى العراقيين وتطلعاتهم وأحلامهم بحياة حرة كريمة لا يمكن أن تتحقق ما لم يتسنم سُدة الحكم رئيس مجلس وزراء عراقي معتدل يقف، قولاً وفعلاً، على مسافة واحدة من جميع القوميات والأديان والمذاهب العراقية. ننبه المالكي من خطورة الإقدام على تأسيس الجيوش والمليشيات الطائفية الرديفة للجيش النظامي، الذي يُفترض أن يكون وطنياً لا يفرّق بين مكونات الشعب العراقي قاطبة، وأن يصب جام غضبه على الإرهابيين، وليس على العراقيين من أبناء الوطن.

كما نحذّر بشدة من خطورة الإقدام على تأسيس ما يسمّى بـ”الحرس الثوري العراقي”، مذكِّرين المالكي ومن معه بأن التسميات لن تنفع في أيام المحن، وأن الخيانة العظمى تتجلى بكل بشاعتها حينما يلوذ مسؤول عراقي بالأجنبي الذي يتمنى تقويض العراق وتخريبه تحت ذرائع شتّى، لأن القانون الدولي لا يسمح لهم باجتياح بلد حر ومستقل، مع الأخذ بعين الاعتبار أن أبناء هذا الوطن المُمتحن الآن قد سبق لهم أن كسروا شوكة الجيش الإيراني الجرّار، وأذاقوا قادته السم الزُعاف باعترافهم الصريح.


كاتب عراقي

8