المالية الإسلامية.. حل إسلامي أم رأسمالية متدينة

الثلاثاء 2017/02/07
الصيرفة الإسلامية مجال واعد يبشر بنجاحات قادمة

لئن ظهر مفهوم الصيرفة الإسلامية أو المالية الإسلامية منذ سبعينات القرن الماضي، إلا أن توسعه وتحوله إلى قضية اقتصادية وسياسية وحتى دينية، حقيقية عرف أوجه في السنوات الأخيرة، وتعزز مع ثورات الربيع العربي التي أفرزت صعود تيارات إسلامية إلى السلطة في أقطار عربية شتى.

ظهور البنوك الإسلامية، في السبعينات كان محدودا وكان في البداية مجرد اقتران للمؤسسة بانتمائها الإسلامي، أكثر من كونه مؤسسة تقدم “منتوجا إسلاميا” أي منضبطا لمقتضيات الشريعة الإسلامية. إضافة كلمة إسلامي إلى البنك (على غرار البنوك التي دشنت تلك المرحلة من قبيل بنك فيصل الإسلامي والبنك الإسلامي الأردني والبنك الإسلامي الفلسطيني) لم تكن محيلة بالضرورة إلى “إسلاميته” بل كانت تشير إلى انتمائه إلى الفضاء العربي الإسلامي.

إضافة كلمة إسلامي إلى المالية توحي بأن الخدمات المصرفية المسداة لا تخالف الشريعة، لكنها لا تعني أن الخدمة تخلو من الهدف الربحي الذي قد يتوحش ويدوس على مبادئ العدالة وحقوق الفقراء. يمكن أن نضيف كلمة إسلامي إلى مطعم أو منشأة تجارية، لكن ذلك لا يعني أنها تحولت إلى مؤسسة غير ربحية أو أنها أعطت عامل الربح أهمية اقل من الأهداف الأخرى. جانب الربح قائم دائما لدى البنوك الإسلامية وإن اتخذ مفاهيم أخرى تختلف مع المفاهيم الاقتصادية الرائجة. جدير بالتنويه هنا أننا إزاء قضية يتداخل فيها السياسي بالاقتصادي بالفقهي، بل هو ضرب من ضروب الاقتصاد السياسي باعتباره من العلوم الاجتماعية التي تدرس نشاط الإنسان في المجتمع بقدر ما له علاقة بحصوله على الأموال والسلع والخدمات.

النقد الموجه للمالية الإسلامية لا يفترض أن ينطلق فقط من المدونة الدينية، بل تفضل أغلب القراءات إخضاعه للنقد من زاوية المفاهيم الاقتصادية

في تأصيل الصيرفة الإسلامية في السنوات الأخيرة تقديم لها بأنها حل لمعضلات الاقتصاد، والحل المقدم إسلامي أي أنه حل يصر الداعون إليه على أنه تصور لا يتعارض مع مقتضيات الشريعة. هنا أصبح الأمر بمثابة مقولة يتداخل فيها الاقتصادي بالديني، ولهذا نفهم الدفاع الذي تبديه تيارات إسلامية عن هذا المتصور الاقتصادي بوصفه حلا وإسلاميا في آن. على أن في الأمر مستويات أخرى يبديها الرافضون للصيرفة الإسلامية، التي تعتبرها القراءات الرافضة “رأسمالية متدينة”، باعتبار أن المالية الإسلامية لا تقطع مع الضوابط الرأسمالية بل تكتفي بأن تضفي عليها مفاهيم المدونة الاقتصادية الإسلامية.

مفاهيم مثل المرابحة والإجارة والإجارة المنتهية بالتمليك والإجارة الموصوفة بالذمة والاستصناع والمضاربة والمشاركة والقرض الحسن وغيرها، هي مفاهيم تروج مؤخرا في المدونة الاقتصادية للمالية الإسلامية، ولكن فحص معانيها يفيد بأنها لا تختلف عن المفاهيم البنكية في المالية التقليدية، وبذلك فإنها لا تختلف من حيث وقعها على المستهلك عما تقدمه البنوك التقليدية، وحتى ما يروّج عن تفادي “الربا” فإنها مقولات فاقدة للوجاهة سواء من حيث تأكيد بعض الفقهاء المسلمين على أنه “لا حرمة في معظم معاملات البنوك التقليدية وأنه يحل للمسلم أخذ فائدة عن المبالغ التي يودعها في البنك وكذلك الاقتراض من البنك لغرض إقامة المشاريع أو شراء العقارات والسيارات”، على حد تعبير شيخ الأزهر الراحل محمد سيد طنطاوي، أو من حيث أن البنوك الإسلامية تقدم منتوجات لا تخلو من المعاملات الربوية وإن قدمت ما يفيد خلاف ذلك مفاهيم.

النقد الموجه للمالية الإسلامية لا يفترض أن ينطلق فقط من المدونة الدينية، بل تفضل أغلب القراءات إخضاعه للنقد من زاوية المفاهيم الاقتصادية، ومقارعته بالأرقام والحسابات والجدوى، وهي الميادين التي تدعي المالية الإسلامية أنها تصدت لتحقيقها. هنا يجوز الربط بين الأزمة المالية العالمية التي عرفت أوجها ابتداء من العام 2008، وبين ارتفاع رواج المالية الإسلامية، إذ عدّ البعض أن الأزمة المالية العالمية وفرت فرصة سانحة للداعين إلى هذا المنتوج الديني، لتقديم تصورهم باعتباره حلا جذريا لمسألة التمويل، وتسويقه على أنه حل يقيم الدليل على أن الإسلام يوفر الحل الاقتصادي الناجع و”الحلال” في آن.

قضية المالية الإسلامية، ليست مجرد قضية اقتصادية، بل هي مسألة تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والسياسية والدينية، ولذلك فإن دراستها أو إخضاعها للنقد يجب أن يراعي كل هذا التداخل. ولهذه الأسباب أيضا تختلف المواقف من هذه الظاهرة، بما يعكس الانتماءات وبما يؤكد أنها قضية مستمرة في إثارة السجال.

اقرأ أيضا:

◄ البنوك الإسلامية حل لركود الاقتصاد العالمي

◄ خديعة اقتصادية بنسخة دينية

12