المال السياسي صداع في رأس القوى الحزبية المصرية

مع بداية العد التنازلي للانتخابات النيابية في مصر، والمتوقع إعلان جدولها الزمني، في الأيام القادمة، بعد الانتهاء من مشروع قناة السويس الجديدة، تزايد الجدل بين القوى السياسية حول آليات الحد من تأثير المال السياسي على المعركة الانتخابية، خاصة مع قيادة بعض رجال الأعمال من أصحاب الاستثمارات الضخمة، لعدد محدود من الأحزاب يسعون من خلالها للسيطرة على كتل برلمانية كبيرة، تمكنهم من ترشيح عدد من حاملي الحقائب الوزارية، وفي القلب منها الاقتصادية التي تمس مصالحهم بشكل مباشر.
الأحد 2015/08/16
الحديث عن تأثير المال السياسي يطغى على التحضيرات للانتخابات القادمة في مصر

القاهرة - أصدر الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، مؤخرا، قرارا يقضي بإجراء بتعديلات على قانوني تنظيم مباشرة الحقوق السياسية ومجلس النواب، ليمهد الطريق أمام إجراء الانتخابات، يتضمن في الوقت ذاته تحديد الحد الأقصى المسموح به للإنفاق للمرشح الفردي والقوائم، وينظم القانون ذاته ضوابط تشكيل لجان الانتخابات بكل محافظة، لحجم الإنفاق ومدى الالتزام بشروط الدعاية، ويفرض عقوبات على المخالفين، تصل إلى شطب المرشح، الذي يثبت تجاوزه الحد الأقصى للإنفاق أو استغلال دور العبادة أو استخدام شعارات دينية، من جداول المرشحين.

وحدد التعديل الذي أقره الرئيس، صاحب الحق في إصدار التشريعات في غياب مجلس النواب، سقف الإنفاق للقائمة المكونة من 15 مرشحا بـ 2.5 مليون جنيه (نحو 300 ألف دولار)، وثلاثة أضعافها للقائمة المكونة من 45 مقعداً، بما يعادل 7.5 مليون جنيه (نحو 950 ألف دولار)، فيما يقدر سقف الإنفاق على الدعاية المسموح به للمرشح الفردي، بنصف مليون جنيه (نحو 70 ألف دولار).

لكن سياسيين وخبراء قللوا من أهمية سيطرة رأس المال على الانتخابات المقبلة، كما أن إثبات تجاوز الإنفاق للحد الأقصى أمر بالغ الصعوبة، في ظل تحايل بعض المرشحين والأحزاب التي تنفق لشراء الأصوات في شكل معونات للفقراء، وعبر جمعيات أهلية تابعة لهم ولأحزابهم، حيث أعلن حزب المصريين الأحرار الذي أسسه الملياردير نجيب ساويرس، إنشاء جمعية أهلية لتقديم الخدمات والدعم للمواطنين.

غير أن خبراء آخرين لديهم رهانات كبيرة على وعي المواطن المصري، الذي قام خلال عامين، بثورتين (25 يناير 2011 و30 يونيو 2013) نجح خلالهما في إزاحة نظام اتسم بالفساد السياسي والاقتصادي، ونظام طغت عليه الفاشية الدينية.

الحكومة تسعى لتبديد المخاوف بضوابط تشريعية انتهت بإقرار الرئيس المصري سقف إنفاق على الدعاية

ترتيبات سياسية

قال إبراهيم الهنيدي، وزير العدالة الانتقالية، إن التعديلات نصّت على أن يتكون مجلس النواب من 568 مقعدا، يجرى الاقتراع على 448 مقعدا للمرشحين بالنظام الفردي، و120 مقعدا بنظام القائمة، وتقسّم الدولة إلى 4 دوائر انتخابية، اثنتان منهما عدد المقاعد المتنافس عليها 15 مقعدا، ودائرتان قسمت كل منهما إلى 45 مقعدا، ويجوز لرئيس الجمهورية تعيين ما لا يزيد عن 5 بالمئة من أعضاء المجلس.

وتعقد حاليا اللجنة العليا للانتخابات اجتماعات لوضع الترتيبات الخاصة بالانتخابات البرلمانية التي وعد السيسي بإتمامها قبل نهاية العام الحالي.

وبدأت اللجنة العليا للانتخابات، تلقي طلبات منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الإعلامية المحلية والأجنبية الراغبة في متابعة الانتخابات، فيما تعقد اجتماعات متوالية، لوضع الترتيبات النهائية، تمهيدا لإعلان فتح باب الترشح، ومواعيد الاقتراع.

وبقرار السيسي بشأن القانون رقم 92 لسنة 2015 بتعديل بعض أحكام قانون تنظيم مباشرة الحقوق السياسية، تكتمل البنية التشريعية المكملة للدستور، والمنظمة للانتخابات النيابية، بعد إجراء التعديلات، التي أوصت بها المحكمة الدستورية العليا والتي أقرت بعدم دستورية بعض مواد قانوني مباشرة الحقوق السياسية وتقسيم الدوائر، ما أدى إلى تعطيل الانتخابات التي كان من المقرر لها مارس الماضي.

يبقى الجدل قائماً بين القوى السياسية، حول مدى القدرة على تطبيق ضوابط القانون، بما يضمن تكافؤ الفرص في المنافسة الانتخابية، خاصة حجم الإنفاق.

عصام شيحة، عضو الهيئة العليا السابق لحزب الوفد، والقيادي بجبهة الإصلاح التي أعلنت خوضها الانتخابات، قال لـ”العرب”: إن أخطر المشكلات وأهمها في الانتخابات المقبلة سيطرة المال السياسي، فالأجهزة الرقابية المصرية، رصدت ضخ أموال غير مسبوقة ودخول مبالغ ضخمة من جهات خارجية دعماً لقوى سياسية بعينها.

وأضاف شيحة لـ”العرب”، البرلمان المصري المقبل، الأخطر في تاريخ مصر، منذ نشأة الحياة البرلمانية في مصر عام 1866، حيث يمكنه عزل الرئيس، كما يمكنه تشكيل الحكومة، حال سيطرة أغلبية عليه، ولا تشكل الحكومة إلا بموافقته، ومن ثمة إذا جاء بتوجهات تعارض سياسيات الرئيس يمكن له إفشاله، وتسعى جهات سياسية مختلفة للدفع بمرشحين، ودعهم مالياً للوصول إلى البرلمان.

وشدّد شيحة على أن رقابة اللجنة العليا للانتخابات، لن تستطيع دون الرقابة المجتمعية، ووعي المواطنين والمرشحين المنافسين، أن تضبط حجم الإنفاق، خاصة أن هناك أساليب كثيرة للتحليل، كأن ينفق المرشح ملايين على فعاليات ومؤتمرات من الباطن، فيما يكون المعلن أن أنصاره تبرعوا بتنظيمها دعماً له.

ويبقى الأمر صعب الإثبات، لكن يمكن للمواطن أن يحجم عن منح صوته لمن يراه يبالغ في الإنفاق بما يناقض حالته الاقتصادية، ويجب تقديم شكاوى من المرشحين المنافسين، حال رصد تقديم رشاوى انتخابية، حتى وإن كانت في شكل معونات اجتماعية عبر جمعيات أهلية مملوكة لأحزاب أو مرشحين، لكون هذا خلط للعمل الأهلي بالسياسي.

الأجهزة الرقابية المصرية ترصد ضخ أموال غير مسبوقة ودخول مبالغ ضخمة من جهات خارجية دعما لقوى سياسية بعينها

هيمنة إعلامية

مع أن تركيز عدد من الساسة، على جانب الإنفاق عبر الرشاوى، ودعم الفقراء بجمعيات أهلية، على ما ابتدعته من قبل جماعة الإخوان المصنّفة على قائمة التنظيمات الإرهابية، وتبعها في ذلك السلفيّون، وأحزاب ليبرالية، فإن هناك عددا من رجال الأعمال ومؤسسي وزعماء أحزاب يملكون وسائل إعلام مرئية ومكتوبة، ويقدمون دعاية لمرشحي أحزابهم تقدر بالملايين، في شكل دعاية غير مباشرة، مثل الدكتور السيد البدوي رئيس حزب الوفد الذي يملك فضائية الحياة الداعمة بقوة لمرشحي الحزب، عبر تكرار بث المؤتمرات، واستضافة المرشحين، وكذلك فضائية “أون تي في” المملوكة لرجل الأعمال نجيب ساويرس مؤسس حزب المصريين الأحرار، والممول الرئيسي له، والتي تقوم بالدور ذاته مع حزبه ومرشحيه المحتملين.

وعلّق على الدعاية غير المباشرة وحجم الإنفاق فاروق أبوزيد عميد كلية الإعلام بجامعة مصر الحديثة، وقال لـ”العرب”، إن تلك المخاوف غير مبررة، وما يحدث من انحيازات لبعض وسائل الإعلام ودعم مرشحين بعينهم، لمن تتوافق معهم في الفكر، أو تربط بينهم المصالح، أمر طبيعي في كثير من ديمقراطيات العالم، شريطة أن لا يشمل الدعم لحزب أو مرشح معين، ترويج أكاذيب أو دعاية مخالفة للقانون للانتقاص من الخصوم، وأن لا يتجاوز نقد الخصم السياسي، تفنيد سلبيات البرامج، أو الممارسات السياسية، بما يتنافى مع الحقيقة.

وأوضح أبوزيد، ما دون التمويل الخارجي أو ذلك مجهول المصدر، ينبغي أن يبقى أيّ تمويل مباح، فحجم التبرعات من الجماهير للمرشح، دليل قبوله وجماهيريته ودعمه، وفي أميركا يتلقى مرشحو الرئاسة، ومرشحو الكونجرس تبرعات، وإلا فكيف للسياسي غير الرأس مال للمنافسة؟

واستطرد: من حق كل حزب أو فصيل سياسي، أن يملك فضائيات وصحفا من الطبيعي أن تدعمه، أما المطالبة بالحياد ومنح الجميع فرص متساوية فهو يقتصر على الإعلام الرسمي المملوك للدولة، مثل التلفزيون والإذاعة المصرية والصحف القومية.

على العكس يرى حسين عبدالرازق عضو المكتب السياسي لحزب التجمع اليساري، أن خطورة المال السياسي تتزايد في الانتخابات المقبلة، خاصة مع إجراء الانتخابات على الغالبية العظمى للمقاعد بالنظام الفردي.

وقال لـ”العرب”، إن النظام الفردي يضاعف من تأثير رأس المال والقبيلة، ويتضاءل تأثير البرامج السياسية في المعركة الانتخابية، وهذا سبق واعترضت الأحزاب عليه، فزيادة نسب القوائم تجعل الاختيار لكتل سياسية وفق برامجها، وليس لأفراد وفق قدراتهم المالية وعصبيّاتهم القبلية.

ودعا عبدالرازق، إلى تعديل القانون المنظم لشؤون الأحزاب، بالشكل الذي يسمح لها بالحق في تأسيس شركات تجارية، لتوفير تمويل لأنشطتها، حيث يقصر القانون الحالي تمويل الأحزاب في تبرعات الأعضاء والمؤيدين والاشتراكات، وهو ما يجعل الأحزاب اليسارية والاشتراكية في منافسة غير متكافئة مع رجال الأعمال وأحزابهم.

4