المال والانتشار وراء استقطاب التلفزيون لصناع السينما

الأربعاء 2014/11/12
التلفزيون اقتحم كل البيوت حتى القصر الملكي البريطاني

لندن - ولدت شاشة التلفزيون في العشرينات من القرن الماضي على يد المهندس البريطاني جون لوجي بيرد وانتشرت في الأربعينات، ولم تصل إلى البيوت إلاّ في الخمسينات، ومنذ البداية اعتمد التلفزيون على الموروث السينمائي الذي هو نتاج ثورة فنية، إذا اعتبرنا أن المسرح أبا شرعيا للسينما، فالمؤكد أن التلفزيون هو نتاج السينما.

كان اختراع التلفزيون أواسط القرن الماضي حدثا لا يقل أهمية عن اختراع السينماتوغراف ذاتها، إذ أثر سلبا على صناعة الأفلام السينمائية، وتراجعت إيرادات الأفلام بنسبة 60 بالمئة.

زلزل الوافد الجديد على السوق الفنية عرش هوليوود، فتمّت مواجهة التلفزيون برفع السوية الفنية والإنتاج الضخم المبهر والمجاميع الغفيرة والديكورات العملاقة وتصوير الأفلام بالألوان وصناعة النجوم، ويعدّ أول من ابتدع تلك الصناعة المخرج الأميركي ديفيد غريفث فجذب الجمهور بالشقراوات والحسناوات وأدخل عنصر الإغراء والغواية في السينما.

عرفت نجماته جميعا مع مرور الزمن بنساء غريفيث، مثل ماري مارش وبلانش سويت وبيسي لف وماري بيكفورد، كما صنع النجوم الرجالية أصحاب الهالات، المؤطرين بالرجولة والكريزما والمغامرات الأسطورية مثل رودلف نالنتبنو ودوجلاس فيربنكس.

يعود تاريخ الاستثمار المالي في القطاع الفني بدءا من عصر النهضة الأوروبية، حيث أسس لورينزو ميدتشي، أحد إقطاعي مدينة فلورنسا، مدرسة للفنون الجميلة، تدرس الرسم والنحت والهندسة، وكان يقوم بالتدريس مجموعة من فناني وأقطاب ذلك العصر مثل ساندرو بوتشيللي وليناردو دافينشي وغيرهم. تعتبر أسرة الإقطاعي ميدتشي راعية ومحبة للفنون، إذ تحتضن مجموعة كبيرة من الفنانين، وأحسن مثال على ذلك تبنيهم للصبي ذي الثلاثة عشر ربيعا مايكل أنجلو، حين اكتشفت موهبته المبكرة في النحت.

ما أحدثته هذه المدرسة الممولة من مال إقطاعي متفتح، أنها أرست وخلقت مفاهيم فنية مستمرة حتى وقتنا هذا، وتعتبر تلك المفاهيم تراثا فنيا وقواعد علمية.

ومن أهم المستثمرين في عصرنا هذا الذي أعاد ذلك الزخم هو الملياردير الأميركي شارل دولان، الذي اخترع نظام الاشتراك في القنوات، ومن بعدها أطلق شركته “هوم بوكس أوفيس”.

التلفزيون اقتحم كل البيوت حتى القصر الملكي البريطاني

هاتان الشركتان كانتا وراء أهم الإنتاجات التلفزيونية والنهضة الحقيقية في هذا المجال، على صعيد المسلسلات والأفلام التلفزيونية. نتائج نجاحها المتواصل واضحة، إذ لا تخلو قائمة مهرجانات جولدن جلوب ومهرجانات الأيمي من تتويج بعض نتاجات هاتين الشركتين، حيث حصل مسلسل الجريمة والتشويق “بريكنج باد” على جائزتين جولدن جلوب كأفضل مسلسل تلفزيوني وأفضل تمثيل، نالها الممثل الأميركي براين كرانستون. كما حصد جوائز الأيمي كأفضل مسلسل وتمثيل وسيناريو، وحاز على مئة وثماني جوائز من مهرجانات عالمية، أما على صعيد الميزانيات الضخمة، فلا ننسى المسلسل التاريخي الملحمي “روما” إذ رصدت ميزانية تقدّر بعشرة ملايين دولار للحلقة الواحدة، مستعينا بممثلين سينمائيين مثل جيمس بيرفوي وكيفين ماكدد.

ومن أكثر المسلسلات جذبا للجمهور خلال الأربع سنوات الماضية المسلسل الفانتازي “جيم أوف ثرونز” صاحب أكبر شعبية ومتابعة على الإطلاق، إذ بلغ عدد مشاهدات المسلسل 13 مليونا و900 ألف مشاهدة، حتى أن ملكة بريطانيا إليزابيث والأمير فيليب زارا موقع التصوير.

بلغت التكلفة التقريبية للحلقة الواحدة ستة ملايين دولار، حيث تم تجنيد جيش من الفنيين لذلك، بلغ عدد الممثلين 257 ممثلا، و703 من الفنيين خلف الكاميرا، و87014 مهندس مؤثرات بصرية وسمعية، وأعدّت 3 آلاف قطعة من الملابس، و4 آلاف قطعة من الأدوات الحربية. النجاح الحقيقي يعتمد على معيارين: نجاح جماهيري ونجاح فني، ومثل هذه الأعمال نجحت لتوفر رأس مال واع، استطاع توظيف جميع العناصر الفنية، وجذب نجوم السينما ومخرجين سينمائيين عظماء، أمثال مارتن سكورسيزي الذي قام بإخراج حلقة من مسلسل “بورد ووك”، كما أشرف على إنتاج عدة حلقات أيضا.

والآن يستعدّ المخرج الدنماركي لارس فون ترير المثير للجدل للبدء في تصوير مسلسل “المنزل الذي بناه جاك” من تأليفه وإخراجه، كما شاركت المخرجة ورئيسة مهرجان كان في دورته الفائتة، جين كامبيون في كتابة وإخراج عدة حلقات من المسلسل الدرامي “أعلى البحيرة”.

بالإضافة إلى المخرج ديفيد فينشر الذي أنتج 27 حلقة من مسلسل “بيت من ورق” وأخرج حلقة منها، تصدر بطولة هذا المسلسل النجم “كيفين سبيسي”.

قلة من الفلاسفة الذين استطاعوا أن يتنبؤوا بتأثير هذا الصندوق الصغير على الشعوب، من بينهم جورج أوروبيل في روايته “1984” التي حوّلت إلى فيلم فيما بعد، وفيها توقع سيطرة التلفاز على عقل وذوق وعادات البشر، بحيث يصبح الكل مثل القطيع يقوده راع، والراعي بالطبع هم صناع الإعلام، لذلك فالحل الوحيد لإسقاط الفن، هو تنصيب رأس مال جاهل ليصنع الوحل ويسميه فنا، لشعب يجب أن يبقى مغيّبا وجاهلا.

16