المال والشهرة والخلود.. مفاتيح الكتابة الثلاثة

سؤال الكتابة يتحوّل إلى سؤال الهوية، وإلى سؤال عن الوجود لأنّ الكاتب يفتقد المعنى ويفتقر إلى الحلم ولا يجد سبيلا للاكتمال، إلّا باللجوء إلى ميدان الكلمة.
الجمعة 2020/05/29
الكتّاب قد يتوقفون فجأة (لوحة للفنان طلال معلا)

الكثير من الكتاب توقفوا في أوج عطائهم، ظاهرة تتكرر بل صارت أكثر حدة في السنوات الأخيرة، ربما هي نتيجة إحساس بالإحباط أو بعدم الجدوى، وربما نتيجة يأس من الكتابة أو خيبة أمل فيها، وقد يكون التوقف ناتجا عن ذات الكاتب نفسه، حيث هناك من يدخلون عالم الكتابة لأسباب ضعيفة، سرعان ما تفقد وهجها.

يتجدّد الحديث عن فحوى الكتابة، وجدواها، والغاية منها، بين الوقت والآخر، ويحضر السؤال الذي يفرض نفسه على الكاتب والقارئ معا، عن ماهية الكتابة نفسها، ولماذا يكتب أحدنا، أو لماذا لا يكتب؟

مَن يكتب، ولمن يكتب، ولماذا يكتب، وهل الكاتب كائن يستقي راحته أو قلقه من الكتابة، أم يتّخذها دربا للعيش وخوض معركته الحياتية، ومصدر رزق يعتاش منها؟

الكتابة والكسب

الإقبال على الكتابة يحتاج إلى دوافع ومحفزات، قد يكون بينها المال، أو البحث عن الشهرة، أو البحث عن موطئ كلمة في غمرة الأحداث الجارية والمتفاقمة، أو البحث عن خلود متخيّل…

وتلعب الرغبة دورا كبيرا في تظهيرها وتصديرها وتطويرها، لأنّ شدّة الرغبة، ومقدار العمل على تحقيقها، والجهد المبذول من أجل ذلك، من مقوّمات النجاح، ومن العوامل المساعدة على تعزيز الحضور، وتمكين الكلمة المكتوبة ومنحها ما تستحقّ من تقدير.

لا يكفي الإقبال والرغبة لبلورة عالم كتابيّ، بل يحتاج الأمر إلى ما يتجاوزهما، وذلك قد يختصر في جوانب منه في نُشدان المعنى، وإرادة التعبير عن الذات، والتجلّي عبر اللغة ككينونة وهوية معا.

الكاتب المهندس يضفي على فوضى اللغة شروطه، ورغبته، وأشياء من روحه، لتكون له بصمته المؤثّرة في عالمه المأمول

الإدبار عن الكتابة قد يكون مدفوعا بمثبّطات توهن كاهل الكاتب الذي قد يصل إلى درجة من الإعياء، بحيث يسدّ أمام نفسه أبواب الأمل، أو يفسح لليأس المجال كي يستوطن روحه، ويعدم القدرة على المواظبة والمثابرة في كيانه.

يتوازى الاستنكاف عن الكتابة، في سياق الرغبة عنها، بحيث ينحسر جانب الترغيب فيها على حساب الترويع منها، أو النظر إليها من منظار الربح والخسارة المباشرين، بعيدا عن انتظار اكتمال دورة الكتابة، واكتمال مواسمها المفترضة.

لا يعني ذلك أن ينتظر الكاتب خريف العمر، أو شتاءه، ليجني ما نثره من بذور وثمار، أو قد لا يجني أيّ محصول إن كان متكالبا على منطق الانتفاع والاستغلال، والنظر إلى الكتابة وحصرها في زاوية الكسب السريع، ذلك لأنّ الكتابة تغدو قيمة بحدّ ذاتها، تمنح ذات صاحبها الاعتبار، وتريحه وتطمئنه وترسّخ لديه القناعة بأنّه يمارس عملا إبداعيا ابتكاريّا يكفي أن يكون غاية بذاته ولذاته، وفي هذا السياق، وعند الوصول إلى هذه القناعة، ستكون الأمور اللاحقة أو المفترضة، أكثر يسرا وسهولة.

مهدنس الفوضى

تتساءل الكندية مارغريت آتوود في روايتها “السفّاح الأعمى” على لسان إحدى بطلاتها، وتكون كاتبة بدورها، لمن تكتب، هل لنفسها، أم لغيرها؟ ولا ترى بعين خيالها أنها ستعيد قراءة ما كتبت في وقت لاحق، وأن الوقت اللاحق أضحى إشكالية، وتقول إنها ربما تكتب لغريب ما، في المستقبل، يقرأ بعد موتها، وتحدث نفسها بأنها لا تطمح إلى ذلك أيضا، ولا حتى تأمل فيه.

وتتساءل لماذا تتملك البشر الرغبة الشديدة في تخليد أنفسهم، حتى وهم بعد أحياء، يسعون لإثبات وجودهم، يعرضون صورهم المؤطرة، ومخطوطات شهاداتهم العلمية معلقة على الجدران، ينقشون على ملاءاتهم أحرف أسمائهم الأولى، ويحفرون على جذوع الأشجار أسماءهم، يخربشون على جدران الحمامات.

كما تستفسر عمّا إن كان ذلك نابعا من الدافع الذي يختفي وراء ذلك، وما الذي يأملون في نيله من فعل شيء كهذا، هل هو التصفيق، الحسد، الاحترام، أو هو محاولة للفت الانتباه. وتراهم يريدون على الأقل شاهدا، لأنهم لا يطيقون فكرة أن أصواتهم ستخبو في النهاية وإلى الأبد، كما يخبو الصوت في المذياع.

الإدبار عن الكتابة قد يكون مدفوعا بمثبّطات توهن كاهل الكاتب الذي قد يصل إلى درجة من الإعياء، بحيث يسدّ أمام نفسه أبواب الأمل، أو يفسح لليأس المجال كي يستوطن روحه

لا تحتاج بعض الأمور والمفاهيم والأشياء إلى تبريرات، كالتنفّس، أو الحبّ، أو الوفاء، أو الإخلاص، أو الجمال، وغيرها من التفاصيل التي تحضر لدى الكثير من الناس كمسلّمات حيث يبحثون عن أيّ براهين، وهذا ما ينطبق على الكتابة بالنسبة إلى المسكون بها، ذاك الذي لا يبحث لنفسه عن أيّ مبرّر ليقتنع أنّه يتنفّس، أو يحبّ…

سؤال الكتابة يتحوّل إلى سؤال الهوية، وإلى سؤال عن الوجود بمعنى ما، لأنّ الكاتب يفتقد المعنى ويفتقر إلى الحلم، ولا يجد سبيلا للاكتمال، إلّا باللجوء إلى ميدان الكلمة ليؤدّي قسطه الوافر من المساهمة في إضافة تفصيل جماليّ ولا جماليات العالم، أو على قبحه في بعض الأحيان.

حين تغدو الكتابة تحريضيّة تمارس العنف أو تدعو إليه تتحوّل إلى فعل إجراميّ، فهي تنسلخ عن صورتها كفعل إبداعيّ وجماليّ، وتساهم في تأجيج النزاعات وإثارة الكراهية، ما يفقدها بريقها ويحوّلها إلى سلاح بأيدي أناس يستخدمونها لتلويث العالم بدلا من تهدئة حدّة الجنون المتفاقم في جنباته.

ربّما يمكن تشبيه عالم الكلمات والأفكار بأنّها صور عشوائيّة ملقاة هنا وهناك بشكل فوضويّ، والكاتب مهندس الفوضى في عالم الكلمة واللغة، يعيد ترتيبها وتوظيفها ليبني معماره الأدبيّ، سواء كان مقالة أم قصة أم رواية أم بحثا، وهو بهذا المعنى حجّة، ولا ينتظر أيّ جواب عن سؤال الكتابة المفترض المتجدّد، كما أنّه اللاعب في حلبة اللغة، ومن الواجب عليه أن يمضي بها إلى ما يفرض عليه التزاما بانتصار للقيم التي يؤمن بها.

لا يتعلق الأمر بتقعيد اللغة، أو فرض شروط على صياغة الجمل والمفاهيم، بل يتعلّق بصياغة عوالم جمالية وتوسيع آفاقها بما يناسب روح العصر، والكاتب المهندس يضفي على فوضى اللغة شروطه، ورغبته، وأشياء من روحه، لتكون له بصمته المؤثّرة في عالمه المأمول.

15