المال يزوجه زوجته مرة ثانية

المال مثل أي شيء في الحياة يمكن استثماره بشكل يؤذي النفس والناس، ويمكن توظيفه لتحقيق المنفعة، لكن أن يساعد المال الرجال على إعادة الزواج من زوجاتهم مرة ثانية، ذلك نوع جديد من السعادة.
الجمعة 2018/09/14
المال يجلب السعادة

قصة المال قديمة قدم المال نفسه وتفسيرات علاقته بالسعادة صارت موضع جدل واختلاف واتفاق، حتى أن الفلاسفة وضعوا تفسيراتهم عن حب المال والاستحواذ عليه، في الحقيقة أصبح هناك مبالغات وترفّع وازدواجية في تفسير علاقة الإنسان بالنقود وعما إذا كانت تجلب السعادة أم لا! البعض يسخر حكمة قديمة تقول “إن المال لا يجلب السعادة” وأن “النقود أوساخ الدنيا” ويعدها مثالية أكثر مما ينبغي، لكنه قد يردفها بعبارات أخرى من قبيل إن “الفلوس تجلب السعادة والعروس".

لن أحاول إضافة الجديد لفكرة المال وعلاقته بالإنسان، لكن الحصول عليه بطريقة مفاجئة تصنع قصصا جديدة بشكل دائم، وكنت شاهدة على إحدى هذه القصص في بلدتي الصغيرة بتونس، ربما تضيف لنا هذه القصة حكمة جديدة، عن علاقة الإنسان بالمال وكيف تهبط عليه السعادة من حيث لا يدري.

عاش جارنا حياة متواضعة مع أسرته، لكن لم يكن أحد يتوقع مستوى أحلامه عندما كان يغامر ببطاقات المسابقات الرياضة على حظه العاثر كما يردد دائما عسى أن يحالفه الحظ ولو مرة في حياته ويفوز بمبلغ ما، وهذا ما حصل بالفعل عندما تمكّن من ربح مبلغ جيّد سيحقق البعض من طموحاته.

فهل لكم أن تتخيلوا ماذا فعل هذا الرجل بعد أن ربح عشرين ألف دينار تونسي؟ كانت المفاجأة بحق عندما جمع أولاده وزوجته وقال سأتزوج أمكم مرة أخرى، ونقيم عرسا باهرا ونقيم الولائم وندعو إليه الأقرباء والجيران.

لم أكن أعرف قصة زواج جارنا التي حدثت منذ سنين، لكنني شهدت النسخة المكررة من حفل زفافه بعد أن ربح المال، وبالفعل أقام حفلا كبيرا لزواجه الجديد من زوجته، والأكثر غرابة في هذا الزواج أن يحضر أولاده حفل عرس والدهم وأمهم ويلتقطون صورا للذكرى معهما.

كان حفلا مبتكرا حقا، وليس جنونا أو عبثا كما وصفه بعض الحاسدين، فالرجل حقق بالمال ما يحلم به وأقام حفل عرس تمناه له ولزوجته بعد أكثر من عشرين عاما من زواجهما الأول، ودعا إليه الضيوف وجلس مع زوجته متأنقا محتفلا بزواجه المكرّر، كان سعيدا جدا مثلما أسعد ضيوفه سواء من المستغربين أو المباركين.

أليس في هذه القصة حكمة جديدة لتأثيرات المال علينا، فهي تفنّد الفكرة الجازمة بأن الفلوس تغيّر النفوس نحو الأسوأ، قد تغيّرها فعلا لكن في بعض الأحيان إلى الأحسن. فجارنا الفقير أول ما نزل عليه المبلغ المتواضع لم يُصب بالغرور والأنفة الفارغة وأعاد توثيق صلته بأسرته بطريقة أعمق، ليمنح الحاضرين درسا مفيدا بقي حديث كل أهل قريتي لسنوات طويلة.

المال مثل أي شيء في الحياة يمكن استثماره بشكل يؤذي النفس والناس، ويمكن توظيفه لتحقيق المنفعة، لكن أن يساعد المال الرجال على إعادة الزواج من زوجاتهم مرة ثانية، ذلك نوع جديد من السعادة، لم يتفطن إليه الحكماء وفلاسفة القرون السالفة.

21