المانشافت الباحث عن المجد الكروي الرابع

الأحد 2014/07/13
ألمانيا تلامس ذات الحلم في اللقاء الذي سيجمعها بغريمها التانجو الأرجنتيني

يكفي أن نعود إلى الإحصائيات التي تقول إن المنتخب الألماني هو المنتخب الأكثر وصولاً إلى نهائي كأس العالم والأكثر وصولاً إلى نهائي أمم أوروبا، والمنتخب الذي فاز بلقب كأس العالم ثلاث مرات ويسعى اليوم نحو الرابعة رغم غيابه عنها في بطولتين سابقتين، وفاز بلقب كأس الأمم الأوروبية ثلاث مرات رغم الحرب العالمية التي مرت على البلاد وانقسامها إلى ألمانيا شرقية وأخرى غربية لنعلم عن أي المنتخبات العريقة على مستوى المعمورة نتكلم .. نعم إنها الماكينات الألمانية التي لا تتوقف عن العمل في شتى الظروف وأقساها.


ألقاب للألمان ليست لسواهم


رغم أن كلمة “المانشافت” التي لقب بها المنتخب الألماني تعني باللغة الألمانية “الفريق”، وهي كلمة تطلق على أي فريق في العالم، لكنها اقترنت بالمنتخب الألماني وأصبحت ماركة مسجلة باسمه دون سواه، أما اللقب الآخر للمنتخب الألماني “الماكينات الألمانية” فتلك حكاية أخرى، حيث يعتقد الكثيرون أن هذا اللقب يعود إلى شهرة ألمانيا بصناعة الماكينات والمركبات ذات الجودة العالية، لكن الحقيقة أن هذا اللقب أطلق على الألمان نسبة للانضباط الكبير للاعبي المنتخب وتمسكهم بخطط اللعب والتوجيهات التي يمليها المدرب عليهم، كالنظام الإداري القديم الذي يعامل الموظف أو العامل وكأنه ماكينة تعمل وفق برمجة موضوعة مسبقاً.


بداية غير مبشرة


تعود فكرة تأسيس المنتخب الوطني الألماني لفالتر بينيسمان، أحد أهم رواد كرة القدم في ألمانيا والذي ساهم بتأسيس عدة أندية ألمانية في جنوب ألمانيا وشغل منصب نائب رئيس رابطة أندية جنوب ألمانيا، حيث قام فالتر بين عامي 1899- 1901 بتشكيل منتخب ألماني يضم مجموعة من لاعبي أندية جنوب ألمانيا، ونظم خمس مباريات مع فرق إنكليزية وانتهت المباريات جميعها بنتائج ثقيلة جداً لصالح الفرق الإنكليزية، وفي 28 يناير لعام 1900، اجتمع في لايبزيغ رؤساء الأندية الألمانية لتأسيس اتحاد لكرة القدم يشرف على تنظيم اللعبة في ألمانيا، وقد حدث ذلك بالفعل وتم تشكيل اتحاد رياضي لكرة القدم في ألمانيا، وانتخب فرديناند هوبي كرئيس للاتحاد الألماني في ذلك الوقت، لتنضم ألمانيا بعدها بأربع أعوام إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم.

المنتخب الألماني لا يعرف المستحيل، يقاتل حتى آخر دقيقة يمتاز أفراده بالصرامة التكتيكية وتكاد توجيهات المدرب تصبح آيات من كتاب مقدس بالنسبة إليهم، ولا يجدون ضيرا في الاندفاع والاحتكاك مع الخصم بقوة مستفيدين من بنيتهم الجسمانية القوية، فترى الخصم يسعى للتخلص من الكرة بسرعة لأنه من المؤكد قد أرهب بدنيا وذهنيا

لكن المصاعب لم تنتهِ مع تأسيس الاتحاد المنظم للعبة في ألمانيا، حيث لم يتمكن الألمان من تنظيم أي مباراة تجمع منتخبهم مع منتخب آخر حتى الخامس من أبريل عام 1908، حين تمكن “هوغو إيغون كوباسيك” أحد أعضاء الاتحاد الألماني ورئيس نادي فكتوريا هامبورغ من تنظيم أول مباراة دولية لألمانيا كانت حينها أمام المنتخب السويسري في مدينة بازل السويسرية ولم تكن بداية سعيدة وانتهت بفوز سويسرا بنتيجة 5-3، المباراة التي خاضتها ألمانيا دون مدرب واعتمدت على كوباسيك في وضع التشكيلة والخطط الفنية، للمباراة التي سجل فيها بيكر لاعب نادي فرانكفورت كيكرز الهدف الأول في الدقيقة السادسة من المباراة، وكان ذلك أول هدف في تاريخ ألمانيا.

أثارت تلك الخسارة حفيظة الألمان الذين راحوا يتباحثون عن السبل الكفيلة بتطوير اللعبة، فقرر الاتحاد الألماني الاعتماد على الروابط المحلية والإقليمية في اختيار اللاعبين المناسبين لتمثيل المنتخب الوطني الألماني، كرابطة جنوب غرب ألمانيا لكرة القدم ورابطة هامبورغ ألتونا لكرة القدم ورابطة أندية لايبزيغ لكرة القدم ورابطة أندية جنوب ألمانيا لكرة القدم.

لكن ذلك لم يجدِ نفعاً، واستمر المانشافت بالتخبط وتلقي الخسارات في المباريات الدولية أمام إنكلترا والنمسا ثم حققوا في الرابع من أبريل نيسان أول فوز لهم على حساب المنتخب السويسري بهدف مقابل لا شيء، قبل أن يخرج الألمان خاليي الوفاض من مشاركتهم الأولى في أولمبياد ستوكهولم بخروجهم من الدور الأول بعد خسارتهم مع النمسا، ثم لم تشارك ألمانيا في أولمبياد أنتويرب 1920 وأولمبياد باريس 1924 لأسباب سياسية بحتة.


الكأس الرابعة يستهوي المانشافت


لا يمكن اختصار تاريخ المانشافت في العرس الكروي العالمي الأكبر على مستوى المعمورة بسطور، فليس مبالغةَ القول إن كأس العالم لا يمكن أن تقام دون دوران الماكينات الألمانية في ميدان الملاعب، لِمَ لا؟!.. فالماكينات الألمانية فرضت نفسها بقوة كأعرق المنتخبات المشاركة في كأس العالم وأكثرها وصولاً إلى النهائي بثماني مرات، رغم غيابها عن انطلاقته في الأوروغواي عام 1930 لانسحابها منه، وغيابها عن كأس العالم 1950 بسبب المقاطعة والعزل الدولي الذين فرضا على ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية.

قبل أن يعود الألمان بقوة بعد أربع سنوات فقط من الإيقاف بعد ترميم المنتخب الألماني عقب الحرب العالمية الثانية ، ونجح المدرب “سيب هبرجر” وقائد المنتخب الألماني آنذاك “فريتز فالتر” في حصد اللقب العالمي الأول للماكينات الألمانية، لكن الطريق نحو الكأس الأغلى لم يكن سهلاً، فكان على الألمان تخطي المنتخب المجري الذي كان يعيش أفضل أيامه، فلم يغامر المدرب المحنك سيب هبرجر بلاعبيه الأساسيين حين أشرك في مباراته الافتتاحية أمام المجر ثمانية لاعبين من دكة الاحتياط لإيقانه بأن نتيجة المباراة محسومة وبالفعل انتهت المباراة لصالح المنتخب المجري بقيادة بوشكاش بثمانية أهداف لثلاثة، ليحل ثانياً في مجموعته بعد فوزه على كوريا الجنوبية وتركيا.

وتابع الطريق بخطى ثابتة نحو النهائي ليعود ويلاقي المنتخب المجري من جديد، ولم يكن سهلاً نسيان الخسارة القاسية التي تعرض لها في الدور الأول لكن النتيجة انتهت للمنتخب الألماني بثلاثة أهداف لهدفين فكانت البداية الحقيقية للألمان في الطريق نحو الألقاب العالمية.

ثم تكرر نفس السيناريو في بطولة 1974 التي أقيمت في ألمانيا، بعد أن كرر الألمان فوزهم على المنتخب الهولندي القوي بقيادة كرويف ونيسكنز في المباراة النهائية بهدفين لهدف، ولم يكن ذلك الإنجاز بغريب عن منتخب يضم في صفوفه أبرز نجوم العصر وأكثرها شهرة كالقيصر بكنباور وجيرد مولر وسيب ماير، والأنظار جميعها كانت تتجه نحو لقاء آخر في نفس الميدان ونفس التوقيت بين القيصر بكنباور والجناح الطائر الهولندي كرويف، لكن الأهم أن بكنباور ورفاقه فعلوها وحققوا اللقب الثاني العالمي في تاريخ ألمانيا.

"المانشافت" تعني باللغة الألمانية "الفريق" وهي كلمة تطلق على أي فريق في العالم، لكنها اقترنت بالمنتخب الألماني وأصبحت ماركة مسجلة باسمه دون سواه، أما "الماكينات الألمانية" فيعتقد كثيرون أن هذا اللقب يعود إلى شهرة ألمانيا بصناعة الماكينات والمركبات ذات الجودة العالية، لكن الحقيقة أن هذا اللقب أطلق على الألمان نسبة للانضباط الكبير للاعبي المنتخب وتمسكهم بخطط اللعب والتوجيهات التي يمليها المدرب عليهم.

بكنباور عاد مجددا في بطولة 1990 بإيطاليا، ليخطف الأضواء بعد سنين طويلة لم يحرز فيها المنتخب الألماني اللقب وبقي متأرجحاً على منصات التتويج ما بين الوصافة والمركز الثالث والدخول ضمن دائرة الأربعة الكبار، وكان على بكنباور أن يواجه المنتخب الهولندي مجدداً في دور الـ16 لكن هذه المرة مدرباً، بعد أن حسم تأهله عن مجموعة سهلة ضمت المانشافت إلى جانب منتخبات يوغسلافيا وكولومبيا والإمارات، وتمكن بكنباور من التغلب على أبناء الكرة الشاملة بهدفين لهدف واستمر في تجاوز المنتخبات ، ليتكرر نهائي مونديال المكسيك 1986 بين المنتخب الألماني والأرجنتيني من جديد، لكن هذه المرة بيكنباور أحكم سيطرته على مفاتيح لعب الأرجنتين ولم يدع مجالاً للمعجزة “مارادونا” ليتحرك بحريته الكاملة بعد أن أحكم رقابة لصيقة عليه، ونجح الألمان بالتتويج باللقب بهدف سجله بريمه عبر ركلة جزاء مشكوك بصحتها، هدف توجهم باللقب العالمي الثالث.

ومنذ ذلك الحين لم تتوقف الماكينات الألمانية عن العمل سعياً لإحراز اللقب الرابع، فاصطدمت بنجوم المنتخب البرازيلي في نهائي مونديال كوريا الجنوبية واليابان 2002 وخسرت بهدفين، لكنها تعود اليوم لتلامس ذات الحلم في اللقاء المنتظر الذي سيجمعها بغريمها التانجو الأرجنتيني ، في لقاء يحمل ملامح مختلفة عن الماضي، ويسعى فيه نجوم المنتخبين لإحراز أرقام قياسية، ميسي من جانب الأرجنتين، وكلوزه وتوماس مولر من جانب المانشافت، بينما تتجه أنظار يواكيم لوف للظفر بالقب العالمي كمدرب بعد أن فشل في تحقيقه كلاعب، لقب يضاف إلى سجل ذهبي ألماني يضم ثلاثة كؤوس لبطولة أمم أوروبا حصدها المانشافت أعوام 1972، 1980، 1990.


أساطير من ذهب


ليس غريباً على منتخب بحجم عراقة الألمان، أن يظهر نجوما متميزين قدموا الكثير لكرة القدم ولمنتخب بلادهم ولأنديتهم التي لعبوا لها، كالقيصر بكنباور أحد رموز ألمانيا، اللاعب الوحيد الذي فاز بلقب ثلاث بطولات أوروبية وفاز بكأس العالم لاعباً عام 1974، ومدرباً لمنتخب بلاده عام 1990، وفريتز والتر الذي سجل 33 هدفاً في 61 مباراة خاضها مع منتخب بلاده، وكان عنصراً هاماً بتتويج ألمانيا بلقبها العالمي الأول عام 1954، واختاره الاتحاد الأوروبي في عام 2003 اللاعب الذهبي في الخمسين عام الماضية، ولوثير ماتيوس أكثر اللاعبين الألمان مشاركة في المباريات الدولية بـ150 مباراة، وشارك مع منتخب بلاده في خمس بطولات مونديالية فاز بإحداها عام 1990، كما فاز ببطولة الأمم الأوروبية 1980، والحارس المخضرم أوليفر كان الحارس الأول الذي فاز بجائزة الكرة الذهبية، واستطاع الحفاظ على نظافة شباكه في197 مباراة في الدوري الألماني من أصل 535 مباراة لعبها طوال حياته، إضافة إلى نجوم يشاركون مع المنتخب الألماني في مونديال البرازيل ولا يمكن التكهن بإنجازاتهم، لكن من المؤكد أن ميروسلاف كلوزه تجاوز الظاهرة رونالدو كأفضل هداف في تاريخ كأس العالم بعد أن رفع رصيده إلى 16 هدفاً سجلها من أربع بطولات حتى ساعة كتابة هذه السطور.


ملوك التكتيك والعزيمة التي لا تقهر


يقول المثل “لا يمكنك هزيمة إنسان عزيمته لا تقهر” ويبدو أن الألمان أسقطوا هذا المثل على الكرة، فنالوا بجدارة واستحقاق لقب المنتخب الذي لا يعرف المستحيل، فهو يقاتل حتى آخر دقيقة لا يعرف الكلل والملل، يمتازون بالصرامة التكتيكية وتكاد توجيهات المدرب أن تصبح آيات من كتاب مقدس بالنسبة إليهم، ولا يجدون ضيراً في الاندفاع والاحتكاك مع الخصم بقوة مستفيدين من بنيتهم الجسمانية القوية، فترى الخصم يسعى للتخلص من الكرة بسرعة لأنه من المؤكد قد أرهب بدنياً وذهنياً، يعتمدون على دفاع المنطقة لترك مساحات واسعة وشن هجمات مرتدة على مبدأ الأفعى كما نقولها بالعامية ” ألسع وأرجع″، ملوك في الخطط التكتيكية فلا يمكن تحديد خطة لعب الألمان بسهولة فإن أغلق العمق أمامهم فلا مانع من الاعتماد على الاندفاع من الجناحين في شن الهجمات نحو مرمى الخصم، هم باختصار جمعوا ما بين الكرة الشاملة الهولندية والقوة البدنية الأفريقية والمهارات الفردية اللاتينية.

10