المايسترو سفيان فيغولي يعود لتعزيز كتيبة الخضر

يفاضل المحللون الرياضيون بين العديد من اللاعبين الموهوبين في المنتخب الجزائري ولا يعطون تبريرات مقنعة حول جاهزية هذا وعناد ذاك وأفضلية الآخر على مستوى الفنيات، ولكنهم يجمعون على قدرة هائلة يتمتع بها اللاعب سفيان فيغولي الذي حفر اسمه مع المحاربين في كأس العالم الأخيرة بالبرازيل وطال غيابه بعدها، ولكنه يعود إلى سفينة الخضر في المواعيد الكبرى ومنها اللقاء المنتظر أمام أسود الكاميرون.
الأحد 2016/10/09
محارب من طينة خاصة

يجادلني خلاني ورفقاء دربي عند الحديث عن عالم الكرة المروع والمشوق في كل مرة نتحلق فيها سواء في المقهى أو في بعض الأوساط التي نتردد عليها للتنزه وتغيير الأماكن، فتراني منحازا من حيث لا أدري لترديد أسماء لامعة سطعت في نجم الكرة الجزائرية، رغم انتمائي إلى الحبيبة تونس، أمثال جمال مناد ورابح ماجر والأخضر البلومي وعبدالحفيظ تصفاوت وغيرهم، وصولا إلى الجيل الحديث الذي أمتعنا في السنوات الأخيرة وخصوصا في مرحلة التصفيات المؤهلة لكأس العالم البرازيل 2014، فمن منا لا يتذكر معركة “أم درمان الشهيرة” التي تألق فيها “الخضر” أمام خصم لا يقل أهمية ألا وهو منتخب الفراعنة، حيث عاش الجزائريون ذكرياتهم وعاد بهم التاريخ الذي توقف لعشرات السنين مع حلم معانقة المونديال والتواجد في البرازيل، وكان لهم ما أرادوا.

عناصر خلدت تاريخ الجزائر

فرحة الجزائريين لم تنته عند حدود الترشح والاكتفاء بالأدوار الأولى ككل المنتخبات العربية تقريبا، علما وأن المنتخب الجزائري كان الممثل الوحيد للعرب في كأس العالم بالبرازيل 2014، بل واصل المحاربون الإمتاع وشدوا الجماهير العربية إليهم بعد تحقيقهم لحلم ثان عجز الجيل الذهبي للجزائر عن تحقيقه ألا وهو المرور إلى الدور الثاني، ولكنهم غادروا مرفوعي الرؤوس أمام منتخب ألماني (بطل كأس العالم 2014) بعد أن عاش كابوسا من الجزائريين طيلة مباراة بشوطيها كاملين وقف فيهما زملاء عبدالمجيد بوقرة “الماجيك” وعنتر يحيى وسليماني وفيغولي، لينتزع الألمان فرصة ترشحهم في الشوط الإضافي بشقّ الأنفس ويبددوا حلم الجزائريين في الوصول إلى المربّع الذهبي.

وبالعودة إلى أبرز النجوم الذين تألقوا في تلك الفترة نجد أن سفيان فيغولي اسم لطالما تردد صداه في الأوساط الرياضية العربية منها والغربية، وشغل الجماهير فأحبته وعاشت لحظات من الخيال واستمتعت كثيرا على وقع لمساته للكرة وتوغلاته في عمق الخصم.

عرف عن المحارب الجزائري فيغولي، الذي لا يقدر أيّ لاعب على محاصرته، أنه سريع إلى الحد الذي يستطيع فيه التخلص من كل خصومه، فهو اللاعب المثالي لاحتياجات وفكر وتكتيك أيّ مدرب، لأنه يستطيع التألق والتوهج في الجهة اليمنى كجناح وفي نفس الوقت يستطيع اللعب كصانع ألعاب حر خاصة وأنه يمتلك بينيات ولمسات غير عادية خصوصا في التمرير.

سفيان مر بفترة صعبة جدا مؤخرا مع فريق فالنسيا الأسباني قبل الانتقال إلى وستهام الإنكليزي، لكن رغم ذلك فإن أرقامه تؤكد أنه لاعب لديه طابع مميز كصانع ألعاب

كما أن فيغولي لاعب لا يركز فقط على اللعب في الهجوم، فهو دائم الحضور بفضل قوته البدنية المميزة لتقديم المساعدة في الواجب الدفاعي، وهذا أمر مهم لا تراه كثيرا عند لاعبي الشق الهجومي.

يذكر أن فيغولي مرّ بفترة صعبة جدا مؤخرا مع فريق فالنسيا قبل الانتقال إلى وستهام الإنكليزي، ولكن بالرغم من ذلك، فإن أرقامه تؤكد أنه لاعب لديه طابع مميز كصانع ألعاب، حيث يكفي أن نقول بأنه أكثر لاعب في الليغا صنعا للفرص وللأهداف مع نادي فالنسيا في آخر خمس مواسم برصيد 148 فرصة.

أوضح اللاعب الدولي الجزائري سفيان فيغولي، لاعب نادي ويستهام الإنكليزي لكرة القدم، أن منتخب بلاده لا يخشى أحدا، في إشارة إلى المباراة أمام الكاميرون المقررة الأحد المقبل، ضمن الجولة الأولى من مباريات المجموعة الثالثة من التصفيات المؤهلة لنهائيات كأس العالم 2018. وقال فيغولي في تصريحات صحافية، على هامش المعسكر الإعدادي الذي يخوضه المنتخب الجزائري استعدادا لملاقاة الكاميرون “سعيد كالعادة بالعودة إلى صفوف المنتخب وملاقاة إخواني. سنعمل بجد هذا الأسبوع لتحضير مباراة مهمة جدا. المواجهة أمام الكاميرون متكافئة وستلعب على جزئيات والخبرة لها دور”.

وأضاف “لا بد من الجاهزية التامة يوم المباراة وتقديم كل ما لدينا. الحضور الذهني مهمّ للغاية، يتعيّن علينا أن نكون متضامنين ومتفانين في العطاء، لأن المباريات على هذا المستوى تحسم ذهنيا وبفضل الخبرة أيضا”. وجدد فيغولي، الذي يعود إلى المنتخب بعدما غاب عن مباراة ليسوتو في ختام التصفيات المؤهلة لنهائيات كأس أمم أفريقيا 2017، بداعي الإصابة، تأكيده على أن المنتخب الجزائري لا يخشى أحدا، وأنه يثق تماما في اللاعبين “المميزين” الذين يضمهم بين صفوفه.

يذكر أن مدرب منتخب الجزائر لكرة القدم الصربي ميلوفان راييفاتش كان قد أعلن عن القائمة النهائية المكونة من 24 لاعبا لمواجهة الكاميرون يوم التاسع من أكتوبر ضمن الجولة الأولى من التصفيات الأفريقية المؤهلة إلى نهائيات مونديال 2018 في روسيا. وخلت التشكيلة من المفاجآت باستثناء استدعاء الحارس شمس الدين رحماني بدلا من عزالدين دوخة، فيما يبقى رايس مبولحي الحارس الأول في تشكيلة الجزائر.

سعادة بالعودة للخضر

أوقعت القرعة الجزائر في المجموعة الثانية “الحديدية” التي تضم أيضا نيجيريا وزامبيا إلى جانب الكاميرون. وحرص راييفاتش على عدم التقليل من أهمية المنتخبات الأخرى، خصوصا الكاميرون التي لم يسبق للجزائر أن هزمتها. وقال في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الجزائرية “لم يسبق للجزائر أن هزمت الكاميرون، وآمل بأن تتغير الأمور معي وبأن ننجح في وضع حد للتفوق الكاميروني”.

وأضاف “من الواضح أننا نعوّل على تحقيق الفوز، لكن هذا ليس بالأمر السهل في مواجهة منتخب كاميروني رائع نعرفه جيدا. سنستعد بأفضل طريقة لهذه المواجهة خصوصا وأن اللاعبين يعرفون ماذا أريد منهم على أرض الملعب”.

لاعبون كتبوا تاريخ الجزائر بالدماء من أم درمان إلى الماراكانا

وسيعتمد المدير الفني للمنتخب الجزائري على مجموعة من اللاعبين سيكون توزيعها على النحو التالي: في حراسة المرمى: رايس مبولحي (أنطاليا سبور التركي) وشمس الدين رحماني (مولودية بجاية) ومالك عسلة (شبيبة القبائل).

أما الدفاع فسيتكون من هشام بلقروي (الترجي التونسي) ولياسين كادامورو (شيرفيت جنيف السويسري) وهواري فرحاني (شبيبة القبائل) وفوزي غلام (نابولي الإيطالي) ونصرالدين خوالد (اتحاد العاصمة) وكارل مجاني (ليغانيس الأسباني) ومهدي تاهرات (إنجيه الفرنسي) ومهدي سفان (رين الفرنسي) ومحمد خثير زيتي (وفاق سطيف). في حين سيكون محور الوسط معززا بمهدي عبيد (ديجون الفرنسي) ورياض بودبوز (مونبلييه الفرنسي) وياسين براهمي (بورتو البرتغالي) وسفيان فيغولي (وستهام الإنكليزي) وعدلان قديورة (واتفورد الإنكليزي) ووليد مسلوب (لوريان الفرنسي) وسفير تايدر (بولونيا الإيطالي). وسيعول في الهجوم على رشيد غزال (ليون الفرنسي) وسفيان هني (إندرلخت البلجيكي) ورياض محرز وإسلام سليماني (ليستر سيتي الإنكليزي) وهلال العربي سوداني (دينامو زغرب الكرواتي).

حكاية الدوري الفرنسي

يجمع المحللون والمهتمون بالشأن الكروي عموما على أن اللاعبين الجزائريين المتألقين حاليا في أوروبا كانوا قد عانوا الأمرّين في الدوري الفرنسي، ولولا مغادرتهم إلى فرق أخرى في أوروبا لما بزغ نجمهم، ومنهم نبيل بن طالب ورياض محرز وفوزي غلام وخاصة النجم المخضرم سفيان فيغولي، حيث غرق كل هؤلاء النجوم تقريبا في أندية مغمورة بفرنسا، وبالتأكيد فإن لاعبا مثل إسلام سليماني لو اختار نادي نانت الفرنسي الذي عرض عليه الانضمام إلى صفوفه على سبورتينغ لشبونة لما برز نجمه مطلقا، وتأتي صرخة فيغولي في “لاغازيت دي فانيك” لتعبّر بصراحة عمّا عاناه العديد من اللاعبين الجزائريين في فرنسا والذين يطلب منهم المستحيل، وأيّ خطأ ولو كان شكليا يرمي بهم في الجحيم، كما حدث للنجم فوزي غلام الذي وضعه سانت إتيان على مقاعد الاحتياط في نهائي كأس فرنسا الذي كان حلما بالنسبة إليه، وعندما فاز ناديه بالكأس احتفل برفع العلم الجزائري، فوجد نفسه مع الفريق الثاني لناديه، ولولا نابولي الذي أنقذه وفاز معه إلى حد الآن بكأس إيطاليا وكأس إيطاليا الممتازة، ولعب معه مرتين في أوروبا ليغ ولعب مع الخضر في بطولة كأس العالم الأخيرة، والجميع يعلم بأن غلام لو بقي في فرنسا، لما بلغ هذا المركز الذي قد يؤهله إلى اللعب مع العديد من الأندية من أمثال ريال مدريد وبرشلونة الأسبانيين.

وفي الحقيقة فإن حكاية الجزائريين مع الدوري الفرنسي تعود إلى فترة طويلة منذ جيل موسى صايب وعبدالحفيظ تصفاوت اللذين حصلا على لقب الدوري الفرنسي مع مدرب غير عنصري، هو غيرو الأب الروحي لنادي أوكسير، حيث لم ينعم الخضر باللعب في أندية فرنسية كبرى ولم يحصلوا على أيّ لقب كبير ما عدا كأس فرنسا، وربما لما كان لرشيد غزال أو عيسى ماندي أو رياض بودبوز أيّ شأن يذكر كرويا.

حكاية الجزائريين مع الدوري الفرنسي تعود إلى فترة طويلة منذ جيل موسى صايب وعبدالحفيظ تصفاوت اللذين حصلا على لقب الدوري الفرنسي مع مدرب غير عنصري

وبالعودة إلى الوراء قليلا، فحتى جيل الثمانينات من القرن الماضي يدرك جيدا هذا الأمر، لأن النجم رابح ماجر مثلا، الذي كان أحسن لاعب كرة قدم في العالم تقريبا، عندما فكر باللعب في الدوري الفرنسي وجد جميع الأبواب موصدة أمامه، فخاض تجربة مغمورة مع نادي باريس الثاني وبقي صعبا دخوله إلى بيت سان جرمان.

كما لعب صالح عصاد مع ميلوز في الدرجة الثانية وتاج بن ساولة مع لوهافر ومحمود قندوز مع مارتيغ، وبقيت كل الأندية الفرنسية الكبرى مغلقة أبوابها أمام الخضر، ولم يلعب عصاد سوى البعض من الدقائق فقط مع نادي باريس سان جرمان ولم يكن حينها الفريق الأول في فرنسا، وعلى الجانب الآخر كان بلوغ أيّ مدرب جزائري منصب مدير فني في ناد فرنسي ينشط في الدرجة الأولى من أكبر المستحيلات في تلك الفترة.

المشجعون في كل مكان

علاقة المشجعين الجزائريين بمنتخب بلادهم حتما لا يمكن وصفها بالعادية وأنها تنتهي بمجرد الخروج من الميدان بعد أيّ مباراة يخوضها المنتخب الجزائري، ولكن للجزائريين طقوسهم وعاداتهم في التشجيع، إذ أنهم مهووسون حدا لا يوصف بحبهم لبلادهم ولرفع علمها في كل المناسبات، ولنقل إنها عقيدة تربى عليها الجزائريون وزرعت فيهم إبان العشرية السوداء.

ويضحي غالبية الجزائريين بالغالي والنفيس من أجل توفير كل مستلزمات المشاهدة ومتابعة عروض أبطالهم في مختلف أنحاء العالم، ولكن حكاية حاملي الأعلام الجزائرية في مختلف ملاعب أوروبا في السنوات الأخيرة هي ظاهرة أخرى تقطع مع جميع عناصر الشك في مدى تغلغل حب العلم الوطني الجزائري بين مشجعيه وخصوصا للأسماء اللامعة وعلى رأسهم سفيان فيغولي ورياض محرز وإسلام سليماني وغيرهم.

وهذا ما قاله في حديث صحافي شاب جزائري يقطن في لندن يدعى عادل بولطيف، وهو من مواليد عاصمة الضباب ويشجع نادي توتنهام، بأنه صار يشجع ليستر من أجل اللاعب محرز، وبالرغم من أن مناصري ليستر لهم طريقة خاصة في التشجيع من دون رايات، حيث يجلسون على مقاعدهم وهم يصفقون بطريقة متميزة، ولكن هذا الجزائري كسر القاعدة بحمله لعلم بلاده الجزائر تتخلله أشرطة زرقاء لنادي ليستر خلال مباريات الفريق في الموسم الماضي.

وهذه المظاهر وغيرها توحي بما زرعه نجوم المنتخب الجزائري في قلوب كل جزائريي أوروبا، بدليل أن المباريات الودية التي لعبها الخضر منذ عهد كريم زياني إلى عهد سفيان فيغولي في مختلف البلدان الأوروبية، صارت حدثا كبيرا لم يمكن ليمرّ هكذا مرور الكرام، وأحدثت هذه المظاهر حالات طوارئ في العديد من البلدان ومنها أيرلندا وألمانيا وسويسرا التي احتضنت ملاعبها مباريات ودية للخضر قبل مونديالي جنوب أفريقيا 2010 والبرازيل 2014، حيث عجزت الملاعب عن استقبال الآلاف من المشجعين القادمين من كل بلدان أوروبا ومن فرنسا بالخصوص.

كاتب من تونس

22