الما بعد - النقدي

الخميس 2017/11/02

من الكبت الثقافي إلى الانفجار الثقافي سيرة ثقافة وطنية سردية عامة شاءت أن تنبّه الدارسين والمتابعين والقرّاء إلى الشق الثاني من هذه السيرة التي افترعتها السياسة ومتحوّلاتها الجوهرية بعد العام 2003، حينما غدت الثقافة العراقية إحدى علامات التغيير الأساسية، أو إحدى البنى التحتية لتغذية الحياة العامة بالفكر المتنور والتعبئة الجمالية، وكنّا نشير دائماً إلى غياب النقد الموازي لهذا الانفجار غير المسبوق، حينما تخطّت السرديات – مثلاً- آفاق النقد كثيرا واستقلّت بجماليات الإنتاج الغزير بغض النظر عن صلاحية الكثير منه.

النقاد الجدد قليلون والمواكبون للإنتاج الإبداعي الروائي قليلون والمتميزون منهم أقل بكثير مما نعتقده ونتصوّره، لكن مع هذا ثمة أصوات من الشباب حاولت وتحاول أن تستثمر هذا الانفتاح الجمالي بمدياته الإبداعية المتجددة، وأشير بشكل ما إلى الناقد المثابر حيدر جمعة العابدي، الذي أصدرت له دار نشر الفؤاد المصرية كتابين عن “التمثلات الدلالية في القصة العراقية ما بعد 2003” و”الأنساق الواقعية والرمزية في الرواية العراقية ما بعد 2003” وهذه (الما بعد) في الكتابين اللذين صدرا في وقت واحد هي ما يشير إلى مثل هذه الثورة السردية قصةً قصيرة وروايةً بعيدا عن الحصر السياسي وقريباً من جماليات الكتابة التي نتوخاها.

في “الأنساق” و “التمثلات” جهد نقدي بارز ومتابعات حثيثة لمنجزات القصة والرواية في سرديات العراق الجديدة التي حاول العابدي أن يتقصّاها ويبوّبها ويؤرخها جمالياً عبر عدّة نقدية مجترحة من دلالات الواقعية النقدية والواقعية الرمزية في تطبيقاته القصصية والروائية على حد سواء؛ مستعيناً بهذا المنهج النقدي ليصل الى نتائج ضامنة في متابعاته الأساسية لهذين الفنين الذين يشكلان البؤرة السردية للأدب بشكل عام، وما وصل إليه السرد العراقي بشكل خاص في محاولة تقصي الأثر الإبداعي لأكثر من خمسة وعشرين كاتبا، لا يشكّلون طليعة سردية واضحة المعالم بطبيعة الحال ، لكن يمكن عدّ أكثر من نصفهم وقد ترك أثراً إبداعياً في أكثر من عمل أدبي روايةً وقصةً قصيرة.

باقتفاء آثار هذين الكتابين الجديدين؛ وفي الما بعد – النقدي، سنجد معالم قراءات تفصيلية للآثار الإبداعية المنتَجَة، ففي الحقل القصصي في تمثّلاته الدلالية سنجد صور الحرب والمكان الواقعي والأنساق الثقافية المضمرة والتهميش والمفارقة والعنف والمعنى والمعايير الواقعية كدلالات تشير الى الواقعية النقدية.

وثمّ الواقعية الرمزية بدلالاتها المكانية وهويتها الوطنية وتهشيم المعنى والمتخيل الرمزي واغتراب الذات والآخر في الصدمة والتجاوز والحلم والغياب، وهذه المؤشرات النقدية بشقيها الرمزي والنقدي في المختارات القصصية يقابلها – روائياً- دلالات المهمشين ودلالات الصراع الطائفي في قسم ثنائي يليه مبحثان عن الرواية الرمزية كدلالة واقعية ومن ثم أسطورية بدلالتها الوظيفية.

ومثل هذه الدلالات المكثّفة في الكتابين تعطي الى حد ما انطباعات واضحة وشارحة عن وظائف القصة والروائية في جماليات الكتابة عبر مختارات لا نظنها عشوائية، لكنها مختارة بطريقة تنسجم مع هذه الوظائف النقدية ودلالاتها الواقعية في تقديم صورة واضحة عن مستوى السرد العراقي في المابعد– النقدي الذي لجأ اليه الناقد الجاد العابدي.

تمثلات القصة العراقية في وظائفها الجمالية كرّست جدل المفارقات الإبداعية بين كاتب وآخر، وإن كان الناقد ميزها كأيقونات في الما بعد – النقدي كونها أصلا كُتبت كمقالات متفرقة في فترات زمنية غير متقاربة فجمعها الكتاب تحت عنوان واحد مشابِه إلى حد قريب من أنساق الرواية في الكتاب الثاني مع الفارق السردي بين الاثنين، ومع أكثر من اسم تكرّر في الحالتين بما يشي أن الناقد ظل رهين نظرته التي لا تريد أن تخرج عن نطاق التمثلات والأنساق في تراتبيتهما النقدية. لكن يظل هذان الكتابان أكثر الكتب التي حرصت على أن يكون الما بعد -النقدي شاخصا ومتابعا للانفجارالثقافي الذي أشرنا اليه بدايةً.

كاتب عراقي

14