الما بَين

المعرفة تبعث الثقة في النفس، والجهل ظلام، وهذا يعيدنا من المابين إلى طالبان مجدداً.
الجمعة 2021/09/03
الهدف مرصود والنتيجة واضحة

المابين هذه كلمة محيّرة، سادت في عصر الهندسة المعمارية الدمشقية، وهو اسم مكان، يطلق على المنطقة الفاصلة ما بين السلملك والحرملك، أي مكان استقبال الرجال ومكان إقامة النساء في البيوت القديمة. وأصل الكلمة قادم من الحُكم وضروراته لا من المجتمع وتعقيداته، فوزير المابَين كان مسؤولاً عن المنطقة الفاصلة بين السلطة والشعب، أيام السلطنات والممالك في القرون الماضية.

وسط أنباء كابل وقندهار والتشكّل الجديد لكيان عائد قد يغيّر الكثير في الخارطة العالمية، يقبع في المابين خبر صغير عن جيل جديد من فايروس كورونا لم يسبقه أي جيل في تحدي اللقاحات. إنه “ميو” الكولومبي الذي قهر جميع المضادات وينذر بأنه قد يكون ضربة جديدة يخبط بها الوباء سطح العالم.

وفي المابين أيضاً، أن الذكاء الاصطناعي سيدخل قريباً نطاقاً خطيراً وحساساً للغاية، هو مجال البحث عن الكائنات الصغيرة في الوجود. ويقولون لك إن العلماء اليوم باتوا على مقربة من تصنيع روبوتات مجهرية تحمل معها أجهزة مسح ضوئي، تتسلّل إلى العالم الآخر، متناهي الصغر. حيث ما لم نعتد على رؤيته وما لم نعرف بوجوده معنا على الكوكب من قبل.

ويجرب الكومبيوتر معالجة بعد استلامه الصور من مبعوثيه الصغار، ليقارن تفاصيل أجساد تلك الكائنات وقرونها وأرجلها ويضيف لنا تصنيفات وأنواعا جديدة على سجل الحياة. لكن ما فائدة ذلك؟ بالنسبة إليّ فائدة ذلك تتركّز في أسلوب العمل لا في النتائج، فالمحصلة أن الأحياء يتطورون وتظهر منهم نسخ جديدة أكثر اختلافاً مع الوقت، وهذا ليس خبراً جديداً. الجديد هو في ما الذي يفعله الكومبيوتر بتلك المعلومات؟ إنه يقوم بطباعتها بشكل ثلاثي الأبعاد ولكن مضخّمة لعشرات آلاف المرات، لتصبح تلك الكائنات متاحة للمشاهدة والدراسة حتى من أطفال المدارس الصغار. وهو نمط جديد من التعليم لم يكن مبذولاً من قبل لعامة الناس. فلا مبرّر لإثارة ذعر الصغار بالألغاز عن أشباح صغيرة تعيش فوق الورود أو فوق قطعة البسكويت. المعرفة تبعث الثقة في النفس، والجهل ظلام، وهذا يعيدنا من المابين إلى طالبان مجدداً. حيث الإعلان “اللطيف” الذي أطلقه المتحدث باسم الحركة بأن هناك نظاماً جديداً للحكم سيولد، لكنه “لن يكون وفق الديمقراطية الغربية بأي شكل من الأشكال”. طبعاً، فالديمقراطية كفر ورجس من عمل الشيطان، حسب تفكير بعض هؤلاء الذين يضعون أنفسهم في مكان ما، بين السماء والأرض، ويتحكمون برقاب الخلق، ويسيّرون الحياة على أهوائهم، هم وأعداؤهم في الوقت ذاته. مكان يتسابق الجميع على الفوز به، يدوسون بعضهم البعض من أجل احتلاله. بينما سيفتك “ميو” وإخوته بالأخضر واليابس عمّا قريب وهم في ظلماتهم يسبحون.

24