المبادرات الإماراتية.. والمواطنة العالمية

منذ عقد ونصف تقريباً تغير المشهد الإقليمي العربي انطلاقاً من دول مجلس التعاون الخليجي وفي القلب منها دولة الإمارات التي ساهمت وبشكل رئيسي في تغيير ملامح الفكر السياسي والاجتماعي العربي وقادت مسيرة تحولات ثقافية وإنسانية لفتت أنظار العالم.
الخميس 2021/04/29
تحولات تنموية كبيرة تمر بها دولة الإمارات

إطلاق دولة الإمارات لـ“مبادرة الابتكار الزراعي للمناخ” التي كشف عنها الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، خلال أعمال قمة القادة للمناخ يوم الجمعة الماضي، تندرج ضمن المقاربات الإماراتية بأن التفكير في المشروعات الإنسانية الكبرى مفيد في الانتقال من حالة التقوقع الداخلي إلى بناء دولة تهتم بالقضايا التي تشغل تفكير دوائر صناعة القرار العالمي، وتنقل الإنسان العربي من حالة البقاء في دائرة الإعجاب بتجارب الآخرين وتسجيل مشاهدته إلى مرحلة المبادرة والمشاركة في صناعة تلك الأحداث والتأثير فيها، وعلى المدى البعيد اتساع أفق تفكيره ليكون مواطناً عالمياً كما تفرضه التغيرات الجديدة.

إلى وقت قريب جداً، لا يتعدّى العقدين، كان دور الدول العربية يقتصر على الحديث عن القضايا التنموية المحلية، وإذا ما كان هناك تفاعل عربي ففي أحسن الأحول لم يكن يتعدى مشاركة الدول الكبرى أو الدول الصاعدة إقليمياً في تقديم الدعم المادي أو المعنوي أو إبداء الإعجاب بما تقوم به تلك الدول. وخلال الفترة الأخيرة كانت التجربة التركية نموذجاً للكثير من العرب وكذلك جنوب أفريقيا. كما كانت هناك حالة من الانبهار بالإنجازات التي حققتها دول شرق آسيا التي عرفت بتحقيق نهضة تنموية حقيقية من خلال التركيز على التعليم باعتباره عاملا أساسيا في نهضة المجتمعات، والتي كانت تعرف بـ“النمور الآسيوية” الأربعة، وهي: سنغافورة وهونغ كونغ وكوريا الجنوبية وتايون. بل إن التجربة الإيرانية في مجال امتلاك السلاح النووي كانت محل إعجاب بعض المثقفين العرب، لكن في مقابل ذلك لم نر أيّ تحرك عربي لمحاكاة تلك التجارب.

لكن، منذ عقد ونصف تقريباً تغير المشهد الإقليمي العربي انطلاقاً من دول مجلس التعاون الخليجي، وفي القلب منها دولة الإمارات العربية المتحدة التي ساهمت كثيراً وبشكل رئيسي في تغيير ملامح الفكر السياسي والاجتماعي العربي، وقادت مسيرة تحولات ثقافية وإنسانية لفتت أنظار العالم إلى ما يحدث في هذه المنطقة. فإلى جانب التحولات الاقتصادية والتنموية العديدة التي وجد فيها بعض المتشائمين فرصة لانتقاد دولة الإمارات والتشكيك في قدرتها على استكمال مشروعاتها التنموية، كان هناك تحرك يعطي صورة مختلفة عن تلك الراسخة في الأذهان عن الإنسان العربي، فظهر الاهتمام بالقضايا الإنسانية الكبرى وبالتعليم باعتباره المحرك الأساسي للتقارب الإنساني، لتكون أول دولة عربية تستضيف البابا فرانسيس، وكذلك أو دولة عربية تطلق مسبارا إلى الفضاء، وصولا إلى افتتاح أول محطة لإنتاج الطاقة النووية. توجهات تنبئ بمشاركة الجهود العالمية لتحقيق حياة أفضل للإنسان، كان آخرها مبادرة أطلقتها بالاشتراك مع الولايات المتحدة وبدعم من بريطانيا والبرازيل والدانمرك وإسرائيل وسنغافورة وأستراليا وأروغواي .

في الوقت الذي نجد فيه دولة الإمارات والسعودية تمران بتحولات تنموية كبيرة لم تعرفها الدول العربية، نجد أن من كانوا يعتبرون ما يحدث نوعاً من “فقاعات” قد تراجعت مجتمعاتهم، وتسببوا في زيادة حالة الانغلاق الداخلي إلى درجة أدت بهم إلى انغلاق فكري، وانشغلوا بخصومات تسببوا بها بين أبناء الوطن الواحد بتوظيف الاختلافات الضيقة بدلاً من الاستفادة من الإمكانيات التي يمتلكونها وتوظيفها لصالح أوطانهم.

يفترض أن تكتسب المبادرات الإماراتية أهمية خاصة عربياً لأنها تعيد صياغة صورة الإنساني العربي في الفكر الإنساني الغربي. بل إن مثل هذه المبادرات توسع طريقة تفكير المثقف العربي ليتجاوز القضايا الداخلية ويشارك العالم قضاياه الكبرى. وتؤكد أن العرب، الخليجيين بالتحديد، لديهم القدرة على إضافة شيء جديد ومختلف لإنقاذ الإنسانية.

9