المبالغة في الاهتمام بتقاليد الزواج المكلفة تدمّر الأسرة المصرية

بينما تتزايد معدلات عنوسة النساء في المجتمعات العربية نتيجة لارتفاع تكاليف الزواج والضغوط التي يتعرض لها الشباب، لا تزال بعض الفتيات والعائلات المصرية تركز على المسائل الشكلية التي قد تتسبب في خلافات عميقة بين الأسر تصل إلى إبطال الزواج.
الجمعة 2015/11/06
الحلي وأثاث منزل الزوجية معضلة قبل الزواج وبعده

تراعي بعض العائلات العربية وبعض الفتيات والشباب المقبلين على الزواج المظاهر الاجتماعية والتفاخر ما يجعلهم يركزون على أدق التفاصيل بشكل مبالغ فيه، يفوق أحيانا تركيزهم على العلاقة العميقة بين الزوجين وبين الأسرتين المتصاهرتين.

هذا التركيز من الجانبين يفتح باب الخلافات على أشياء تافهة بادئ الأمر، ولكن نظرا لكثرة التدخلات من جانب أفراد العائلة فقد تصل المشاكل إلى إنهاء العلاقة إما بالطلاق أو بإبطال مشروع الزواج.

ونجد داخل العائلات المصرية من تفضل أن تفقد خطيبها أو زوجها على أن تفقد طقم الأثاث، رغم أنه ليس إلا جزءا من أثاث غرفة الطعام، لكن الكثير من السيدات وحتى الفتيات الصغيرات تعتبرنها “خطا أحمر” لا يجوز النقاش حول جدوى شرائه، مثلما لا يجوز للزوج أو الأولاد أن يقتربوا منه.

ومن المفارقات التي تثير ضحكا كالبكاء، أن طقم الأثاث هذا تحول بمرور الوقت إلى مصدر للشجار والنكد عند بعض الأسر، مثل الزوجة التي أعلنت حالة حداد في منزلها لمدة ثلاثة أيام حزنا على رحيل “طبق” من طقم صيني – فرنسي اشتراه لها والدها عند زواجها، بعدما تعرض للكسر.

وقبل ذلك هناك آلاف الحالات الغريبة، مثل مشروعات زيجات لا تكتمل لعدم التوافق بين أسرتي العروسين على مقتنيات طقم أثاث غرفة الطعام باهظ الثمن، كما أن هناك حالات طلاق شهدتها أروقة المحاكم بسبب كسر “كؤوسه” الغالية.

وأوضح سعد خطاب، صاحب معرض للأثاث في مدينة دمياط، لـ”العرب” أن طقم الأثاث يعتبر من المكونات الرئيسية لغرفة السفرة بعد التطور الذي طرأ عليها، فقبل ستين عاما كانت تتألف من طاولة طعام ومقاعد، إضافة إلى قطعة خشبية لحفظ أدوات المائدة تسمى “بوفيه” تطورت على مر السنين وتم إلحاق مرآة به، وكان هناك أيضا قطعة أقل حجماً من “البوفيه” تسمى بال “دلسوار” وهي دولاب مكون من أدراج.

95 بالمئة من الزوجات لا يستخدمن الكؤوس الكريستال أو أطقم الصيني التي بداخله خوفا عليها من الكسر، وعندما يقدم الزوج أو الأبناء على استخدام قطعه التي تعتبرها (تراثا عائليا)

ويشير خطاب إلى أنه منذ 34 عاما تقريبا ظهر طقم الأثاث الذي تجمع فيه الكؤوس والقطع الثمينة بشكله المعروف كدولاب زجاجي صغير، حيث تُعرض قطع من الكريستال والفضة والمقتنيات المتوارثة من العائلة، وكان يطلق عليه “دولاب فضية”، لكنه لم يكن أساسيا لأبناء أسر الطبقة المتوسطة الذين لا يملك أغلبهم مقتنيات ثمينة، وبعد فترة قاموا باستخدامه كقطعة ديكور مع الصالون لوضع القطع الخزفية البسيطة.

ثم تطور الأمر ليحل محل “دولاب الفضية” و”البوفيه” بعد زيادة حجمه، حيث يتميز الجزء العلوي منه بمرايا عاكسة من داخله وزجاج شفاف من الخارج لتكوين بانوراما للاستعراض والتباهي بما في داخله من مقتنيات نفيسة، مثل الكؤوس والكريستالات، وأطقم الصيني فرنسية الصنع وأطقم الملاعق والسكاكين الفضية، بينما بقي الجزء الأسفل منه عبارة عن وحدة خشبية مغلقة للتخزين.

وتعتبر منال سليم التي تعمل باحثة في الشخصية المصرية، أن هذه القطعة من الأثاث شكل من أشكال الرجعية، فهو كـ”الكتالوغ” لأن هذا ما وجدنا عليه آباءنا، وهو دليل على ثراء أسرة الفتاة، التي نشأت منذ الصغر على أن قيمتها من قيمة جهاز عرسها، تستخدمه لتغيظ الحاقدات وكان دائما ما يتردد أمامها أن “طقم بيت الطعام زينة العروسة”، إذ أن “واجهته البلورية” تعكس “المظاهر الفارغة”.

وأضافت أنه ليس هناك ما يبرر أن تدفع الأسر مبالغ طائلة في مقتنيات ليس لها دور سوى أن تكون “فرجة” لزائري العروسين في الأسابيع الأولى من الزواج، وبعد ذلك يتحول لمتحف تحرسه الشرطة الممثلة في الزوجة التي تهب دائما كلما لعب الشيطان في عقل الزوج للاقتراب منه.

وتشير إلى أن 95 بالمئة من الزوجات لا يستخدمن الكؤوس الكريستال أو أطقم الصيني التي بداخله خوفا عليها من الكسر، وعندما يقدم الزوج أو الأبناء على استخدام قطعه التي تعتبرها “تراثا عائليا” فإن الزوجة تبدأ في الشجار وتعبر عن غضبها ورفضها لذلك، والشيء الغريب أن المرأة تأبى على نفسها وعلى أسرتها الاستمتاع بتلك الأشياء في حين تعطي ذلك الحق للضيوف والغرباء.

ولأن الأمر عندما يزيد عن الحد ينقلب إلى الضد، فقد تجاوز الشباب فكرة هذا الطقم بعدما اقتنعوا أنه من “المظاهر الكاذبة” التي تجعلهم أسرى لعادات وتقاليد توارثوها جيلا بعد آخر، حتى ثقل الإرث وأرهقتهم متطلباته، في ظل ضغوط مجتمعية متزايدة، فهبوا مطالبين بإلغائه من “كتالوغ” الزواج.

الشباب اقتنعوا أن فكرة طقم الأكل من (المظاهر الكاذبة) التي تجعلهم أسرى لعادات وتقاليد توارثوها جيلا بعد آخر، حتى ثقل الإرث وأرهقتهم متطلباته

وتتساءل الباحثة عن الفائدة من إنفاق أموال ضخمة في مقتنيات تعتبر عمليا “محنطة”، موضحة لـ”العرب” أنه في الماضي ساهم جهاز العروسة في إفلاس الخزينة المصرية مثلما حدث في زفاف الأميرة قطر الندى بنت الأمير خمارويه بن طولون، لإصرار والد العروس على تجهيز ابنته بجهاز لا يقارن، ودفعت مصر الثمن.

أما الآن فإصرار العائلات على تقاليد بالية عقيمة من الممكن أن يضع الأسرة على حافة الإفلاس من أجل التباهي، وهناك أفراح تحولت إلى أتراح بسبب استدانة الأهالي ودخولهم السجون لإصرارهم علي تجهيز بناتهم بما يفوق إمكانياتهم.

وقالت أسماء عادل، ناشطة بإحدى جمعيات تيسير الزواج لـ“العرب” إنها من خلال تجربتها في الجمعية التي تهدف لمساعدة الأسر الفقيرة صادفت العديد من الزيجات كادت تفشل أو فشلت بسبب الجهاز. فالطبقات الوسطى تنفق آلاف الجنيهات على أشياء لا تستخدمها، معبرة عن اعتقادها أن التمسك بالأشياء المبالغ فيها نتيجة طبيعية لتدخل أهل العروسين وأقاربهما وأصدقائهما وجيرانهما في تأثيث منزل الزوجية. فالمشكلة ليست فقط في الأثاث، لكن في الأفكار البالية المسلطة على الحياة الأسرية.

مؤخرا قام الشباب بتوجيه دعوة للفتيات تحت مسمى “أنا طقم الأثاث” وطالبوهن عبرها بالخروج عن القالب النمطي للزواج، واعتبار زوج المستقبل هو الطقم الذي يجب أن يحافظن عليه.

السخرية من قدسية هذه القطعة من الأثاث وصلت إلى الوسط الفني أيضا، حيث نشر الفنان أحمد السقا، صورة له على حسابه فيسبوك وكتب تحتها “لو أعطى المصريون الاهتمام لوجود مكتبة في كل بيت قدر اهتمامهم بوجود طقم الأثاث لاختلف مستوى النقاش كليًا”.

21