المبالغة في مدح الطفل وإنجازاته تصيبه بالنرجسية

الثواب والعقاب يرسخان في سلوك الطفل قيم التعاون والثقة والمشاركة.
الاثنين 2021/01/18
الإفراط في تدليل الطفل يضخم أناه

ينصح علماء النفس بعدم الإفراط في تدليل الطفل ويؤكدون على أن النظام العادل للثواب والعقاب يعلّمه تحمل مسؤوليته. كما يشيرون إلى أن مدح الطفل والاحتفال بإنجازاته بصورة مبالغ فيها ومشاركة صوره على وسائل التواصل الاجتماعي باستمرار سلوك يضخم أناه ويزيد من نرجسيته.

يشير علماء النفس إلى أن الإفراط في تدليل الطفل من الممارسات التربوية الخاطئة التي تنعكس سلبا على سلوكه  تماما مثل المبالغة في حمايته سواء كان طفلا وحيداً أم بين أشقاء. فقد يعاني الطفل من وساوس ومخاوف متنوعة نتيجة شعوره الدائم بالخطر. ويرى علماء النفس أنه من حق الأبوين أن يدللا طفليهما لكن في حدود معينة، وينصحون بعدم جعل هذا الدلال مفرطاً، وذلك بوضع نظام عادل للثواب والعقاب.

كما يؤكدون على أن التربية تحتاج إلى ضبط سلوك الطفل بالثواب والعقاب معا، ومن الطبيعي استخدام بعض وسائل العقاب المشروعة وكذلك مكافأة الطفل عند تنفيذه ما هو مطلوب منه، بدلاً من التركيز على معاقبته إذا أخفق.

ويُفضَّل علماء النفس أن يركِّز الوالدان على تنفيذ طفلهما لما يجب عليه فعله، من خلال مكافأته عندما ينجح في الالتزام بواجباته، مثل الواجبات المدرسية، والمواظبة على ذلك. وقد تتضمّن هذه المكافآت التشجيعية أي شيء، بداية من التعبير عن سعادتهما بما قام به، والثناء عليه، إلى منحه المكافآت المادية، فضلاً عن إعطائه المزيد من الصلاحيات، وإقامة الحفلات والمناسبات الخاصة للاحتفاء بإنجازه.

ويؤكد المختصون في علم النفس على ضرورة أن يكون الاحتفاء بإنجازات الطفل على قدر الإنجازات نفسها، مشيرين إلى أن المديح المبالغ فيه ومشاركة صوره على وسائل التواصل الاجتماعي وكأنه نجم سينمائي، وعدم الحديث معه عن أخطائه بشكل جدي، سلوكات تضخم أناه.

وتؤدي هذه السلوكات إلى ابتعاد الأطفال عن مفاهيم التعاون والثقة والمشاركة، وإلى الميل نحو مصالحهم الشخصية ووضعها في الصدارة.

الآباء يستطيعون انتقاء الأوقات المثالية لمدح أطفالهم، والأوقات الأخرى التي ينبغي عليهم أن يتجنبوا ذلك لمصلحتهم

وتعتبر إشادة الآباء بسلوك ومميزات أطفالهم طريقة جيدة لتعزيز ثقة الطفل بنفسه وتشجيعه على المضي قدما في طريق النجاح، لكن المديح بطريقة غير صحيحة وغير مدروسة ومبالغ فيها يؤدي إلى الكثير من العواقب السلبية التي تظهر في شخصية الطفل أثناء مرحلة البلوغ.

وأكد أحمد الأبيض أن الاحتفاء بنجاح الطفل شيء مهم، لكن لا يجب تهويله حتى لا يعطي دلالات أكبر من حجمها.

وقال المختص التونسي في علم النفس لـ"العرب"، إنه من المهم أن نقف عند أخطاء أبنائنا وعند مسبباتها، ليس لإدانتهم وإنما ليتعلّموا منها. وأضاف أنه بدلا من تضخيم إيجابيات الطفل من المستحسن توجيهه إلى الخطأ والصواب.

وجاء في تقرير للكاتب الإسباني خوسيه رولدان برييتو نشرته مجلة “بيكيا بادريس” أن الإشادة بالطفل تشبه تناول السكريات، فحين نعطي الطفل قطعة صغيرة من الحلوى فإنها تمنحه الكثير من النشاط والحيوية، لكن تناول الكثير منها يلحق الضرر بصحته.

وقال برييتو إن “الآباء يستطيعون انتقاء الأوقات والمناسبات المثالية لمدح أطفالهم، والأوقات الأخرى التي ينبغي عليهم أن يتجنبوا ذلك لمصلحة أطفالهم”، مشيرا إلى أن الأطفال يتمتعون بنسبة ذكاء تسمح لهم بمعرفة ما إذا كان مديح آبائهم وأمهاتهم في محلّه أم هو مجاملة لهم، وحين يشعر الطفل بأن الثناء غير صحيح، فإن ذلك يدمر شخصيته على المدى البعيد.

وقد يفقد الطفل الحماس ويشعر بالإحباط حين ينجز مشروعا أو امتحانا بطريقة سيئة، إذا كان يسمع من والديه الكثير من الكلام الذي يشيد بذكائه ونبوغه. وذلك لأن الأطفال في هذه الحالة يشعرون بأنهم يحققون الإنجازات، خاصة المتعلقة بالدراسة، فقط لأنهم أذكياء، لا لأنهم يدرسون ويبذلون جهدا يجعلهم من المتفوقين.

وينصح علماء النفس الآباء بتجنب امتداح الجوانب التي لا دخل للطفل فيها، مثل الجمال الخارجي والذكاء، لأن هذه الصفات تتلاشى مع مرور الزمن.

في المقابل، يجب مدح الطفل حين يبذل جهدا ويعمل بجد لتحقيق النتيجة التي يطمح لها. فعلى سبيل المثال، يمكن أن نقول “كان اختبار العلوم صعبا للغاية، ولكنك بذلت جهدا جيدا في الدراسة لكي تنجح”.

ولا يرى علماء النفس ضررا في أن يشارك الوالدان أطفالهم حياتهم كما لو كانا صديقين لهم، كأن يشاركانهم اللعب والنشاطات والقراءة والحديث واتخاذ القرارات. ويخيرون أن تربي الأم أطفالها بطريقة تجبرهم على الاعتناء بأنفسهم وببعضهم البعض من خلال ترتيب أغراضهم وألعابهم وأداء بعض المهمات المنزلية وغيرها من الأمور، حتى يكونوا مسؤولين عن أغراضهم، وعن بعض الأدوار المنزلية المناسبة لأعمارهم.

الإفراط في تدليل الطفل ينعكس سلبا على سلوكه
الإفراط في تدليل الطفل ينعكس سلبا على سلوكه 

كما يرون أن الطفل في بعض الأوقات يكون في حاجة إلى ردعه عما يقوم به من تصرفات خاطئة، هذا إذا أراد  منه الأهل أن يتعلّم الصواب والخطأ، دون أن يُصاب بأذى جسدي أو نفسي.

ويقول خبراء علم النفس إنّ الأجيال التي نشأت في ظل منع العقوبة ونَبذ استخدامها، صارت أجيالا مائعة لا تصلح لجدّيات الحياة وصعوباتها، مشيرين إلى إنّ الهدف من تحديد أساليب الثواب والعقاب هو إعطاء فائدة وقيمة للأوامر والنواهي التي يتربى بها الطفل. فالثواب يُشجِّعه على تنفيذ ما يريده منه الوالدان، أمّا العقاب فيردعه عن القيام بما عليه تجنُّبه.

ويرى علماء النفس أن الإفراط في تدليل الطفل ومدحه من شأنه أن يزيد من نرجسيته، ما يجعله شخصية حساسة تجاه آراء الآخرين، بالإضافة إلى شعوره بفرادته وتميزه عن غيره، إذ يمتلك شعورا متضخما بأهميته ويستحوذ عليه وهم النجاح والتألق والانشغال بالمبالغة في مدح إنجازاته عندما يكبر.

ووفقا لدراسات وخبراء، فإن تقييم الطفل وتعظيمه أكثر مما هو عليه في الواقع من العوامل التي قد تزيد خطر تطوير الطفل شخصية نرجسية، فالآباء الذين يخبرون أطفالهم بأنهم أكثر تميزا أو يستحقون أكثر من غيرهم قد يلعبون دورا في تطوير نرجسية أبنائهم.

ورغم أن الوالدين قد يبالغان في تقدير إنجازات طفلهما بهدف المساعدة على تعزيز احترام الطفل لذاته إلا أن ذلك يمكن أن يؤدي إلى شعوره بتضخم الذات وليس الشعور بالثقة بالنفس.

كما يرون أن مدح ذكاء الطفل وليس قدراته، من شأنه أن يجعله نرجسيا، وفي المقابل يؤدي الثناء على عمل الطفل الجاد وجهوده إلى تعزيز دوافع القيام بعمل أفضل.

ويؤدي نشوء بعض الأطفال في بيئة يحظون فيها بالحب فقط، إذا حققوا شيئا مثل نجاح دراسي أو رياضي، إلى شعور ضعيف بالهوية.

ذلك أن الأب لا يكون مهتما بطفله أو بما يجعله سعيدا، وكل ما يهمه هو أن تبدو العائلة جيدة للبيئة المحيطة، مما سوف يشعر الطفل بالأمان فقط إذا كان “الأفضل”، مما يسهم في بروز الميول النرجسية. وهذا التقدير المتدني للذات سينتج عنه شعور الطفل بضرورة انتقاد الآخرين والحط من شأنهم حتى يبدو هو أفضل منهم.

21