المبدعون الحداثيون لا يبحثون عما يلفت نظر المتلقي إلى أعمالهم

السبت 2017/10/21
الفن ليس له حدود فلسفية

القاهرة - ما هو الفن؟ في محاولته لٌلإجابة عن هذا السؤال يطرح الباحث صلاح قنصوة رؤيته حول العلاقة بين الفن من ناحية، وبين الفلسفة من ناحية أخرى، على صفحات كتابه “في فلسفة الفن” حيث يعتبر أن من أهم ما يميز الفن بالدرجة الأولى هو أن الفن ليس علما بالضرورة، كما أن الفن ليس له حدود فلسفية تضع قيودا تقيده في إطار فروض علمية أو منهج علمي يقيد عمل الفن أو حدود الفنان، بينما يبقى الفن قادرا على تجاوز أي حدود منطقية أو فلسفية.

ويضم الكتاب بين دفتيه مقدمة وخمسة فصول، حيث يصف قنصوة المقدمة بأنها “مقدمة شخصية جدا”، ويعرض فيها قصته مع الفن في بدء التكوين، واستخدامه لخامات بدائية من البيئة المحيطة به لصنع تماثيل صغيرة، بالإضافة إلى محاولات للعزف على “الفلوت” أو حتى الضرب على طشت الغسيل النحاسي بديلا عن آلات الطبل، حتى استطاع بعد ذلك استكمال دراسته والتعرف أكثر على معارف حول الفن بمختلف صوره وأشكاله.

ويتطرق الكاتب في أول فصول الكتاب إلى “الإبداع الفني تشكيل لوجود جديد”، حيث يحاول تقديم ما يصفه بـ“أنطولوجيا العمل الفني”، ويحاول الإجابة عن سؤال، ويعترف بأنه قد يبدو ساذجا، وهو: ما هو الفن؟ وما طبيعة العمل الفني؟ وما الذي يميز الإبداع الفني عن الواقع؟

كما يبحث صلاح قنصوة في الخصوصية الفنية فيتعرض لـ“معنى الجمالية”، حيث يذهب إلى أن العمل الأدبي أو الفني يجب ألا يكون مباشرا حتى لا تعتبر هذه المباشرة نقيصة في العمل الفني، لكن يجب في نفس الوقت أن يكون متضمنا سمات جمالية يشعر بها المتلقي، كما يؤكد المؤلف في نفس الوقت على أن العمل الفني ليس بديلا أو منافسا يزاحم مجالات أخرى.

ويرى قنصوة أن للفن أو الأدب خصوصيته واستقلاله وتميزه عن سائر المجالات، ولذلك فإن الأدب أو الفن يجب أن يحقق أهدافه بطريقة جذابة وممتعة دون أن يتقمص الفنان أو الأديب دور الواعظ أو المعلم للجمهور.

كما يطرح أيضا تصوره للرؤية الفنية، وهي الرؤية التي لا يشرع الفنان أو الأديب في عمله إلا إذا استغرق في رؤية فنية للعالم أو للواقع أو لجانب منهما، حيث يوظف المؤلف رؤيته الفنية وعن طريق إعمال الخيال لإنتاج موضوعه الفني أو الأدبي، ومن ضمن العمليات المرتبطة بالرؤية الفنية يتعرض المؤلف لما وصفه بالإضاءة الداخلية، وهي العملية الثانية التي تتجسد فيها الرؤية الفنية لتصير إبداعا .

يتناول الكاتب أيضا قضية “الفن والدين” التي تعتبر قضية شائكة لم تحسم حتى الآن، وهي العلاقة بين الفن من ناحية، وبين الدين من ناحية أخرى، وحيث يتفق الفن مع الدين في أن الاثنين يسعيان إلى تحرير الإنسان وجعله أكثر قدرة على تحقيق ذاته ومعرفة العالم الذي يعيش فيه والتعامل معه.

ويتعرض المؤلف لما يقوله المتشددون من أن الفن يعارض الدين فيقررون تحريمه، وذلك بزعم أن الفن يشغل عن ذكر الله ويحض على الفسق والفجور. ويؤكد في هذا الصدد على أن الفن يعمل على خلخلة الجمود والثبات في الأشياء التي تحيط بالإنسان، حيث إن الفن هو في جانب من جوانبه ارتياد لمناطق مجهولة أو مساحات لا يمكن أن يتجرأ غير الفنان على ارتيادها.

وفي هذا الإطار فإن المؤلف يذهب إلى وجود تأثير من الفن على الدين، حيث يعتبر أن مثل هذا التأثير في ما يتعلق بانتظام الصلاة ومناسك الحج والطواف، كما أن القرآن الكريم يستخدم التصوير الفني في طريقة التصوير والتشخيص بواسطة التخييل والتجسيم، كما استخدم القرآن الكريم في نفس الوقت الصور الحسية والحركية.

وفي جانب آخر من الكتاب يخص صلاح قنصوة مبحثا حول الفن والشكل والحداثة، ويطرح فكرة مفادها أن الفن يفجر الجمود والثبات في الأشكال الراسخة، كما

أن الفن يفتت أحد عناصرها أو يذروها ليستخلص منها مادتها الأولى، ريثما يعيد تأليفها في تكوين جديد، وهو الأمر الذي يتصل بتفاصيل العلاقة بين الفن والشكل والحداثة.

أما عن الحداثة، فيطرح رؤيته التي تؤكد على أن الفن ليس محاكاة للواقع، ولكن على الرغم من ذلك فإن الفنانين قبل الحداثة يعمدون إلى القيام بكل ما يمكن من خلاله لفت نظر المتلقين إلى فنهم.

أما الحداثيون فهم على العكس من ذلك، فهم لا يعمدون إلى البحث عما يلفت نظر المتلقي إلى أعمالهم، بل هم يفترضون أن المتلقين لأعمالهم سوف يستجيبون ويلتفتون لأعمالهم الفنية مهما كانت غرابة هذه الوسائل الفنية التي يستخدمها من يطلق عليه وصف “الفنانين الحداثيين”.

17