المبدعون المخضرمون العرب أفلسوا.. ابحثوا عن الشباب

لا توجد فوارق كبرى بين مختلف صنوف الإبداع بقدر ما يوجد تشابك وتكامل، فمثلا تتكامل السينما والصورة مع الأدب بشتى أنواعه، لكن يبقى المزج معرفيا بين هذه الأصناف أمرا بالغ الدقة، وهذا ما نجح فيه الكاتب والباحث التونسي الهادي خليل الذي مزج بين اهتماماته السينمائية والأدبية وحتى في ما يعنى بالترجمة. “العرب” التقت الكاتب وكان لنا معه هذا الحوار.
الخميس 2017/01/26
في بلد صغير مثل تونس يتناسل الشعراء

الهادي خليل وجه معروف ونشيط في المشهد الأدبي والسّينمائي والفنّي التّونسي، يمزج عدّة اهتمامات تتراوح بين الشّأن الثقافي في شتّى مجالاته، وبين الشّأن الأكاديمي الّذي ركّزه أساسا على البحث في “تمثّلات الغريب واستعاراتها” في الأعمال الأدبيّة للكاتبين الفرنسيّين أندري جيد وجان جينيه، لينطلق في أبحاث مختلفة أدبية وسينمائية وفنية. علاوة على صفته الجامعيّة، اقتحم الهادي خليل ميدان الصّحافة على امتداد أكثر من ثلاثة عقود، إيمانا منه بضرورة التحام الأكاديمي بمحيطه الثقافي والسّياسي والرّياضي أيضا.

السينما التونسية

أصدر الهادي خليل مؤخّرا كتابا جماعيا بعنوان “خمسون عاما من السّينما التونسيّة” الذي قام بنشره المركز الوطني للسّينما والصّورة، وهي مؤسّسة رأت النّور بعد نجاح الثّورة التونسيّة في 14 جانفي 2011. وقد ساهم في هذا الإصدار، بقسميه العربي والفرنسي، أشخاص من خيرة الكفاءات التونسيّة في المشهد السّينمائي والثّقافي التونسي، من نقّاد وكتّاب وصحافيّين ومخرجين وممثّلين وممثّلات. وهو مؤلّف يمزج، كما أراده أصحابه، بين التفكير والتحليل، بين الشّهادات والعمل التوثيقي، بين النّفس الأكاديمي والنّفس الإبداعي.

في ما يخصّ أهمّ المحطّات الّتي مرّت بها السّينما التّونسيّة، يذكر خليل تأسيس الجامعة التّونسيّة لنوادي السّينما عام 1949 والجامعة التّونسيّة للسّينمائيّين الهواة سنة 1962، إضافة إلى إنشاء الشّركة التّونسيّة للإنتاج والتنمية السّينمائيّة “السَّاتباك” بالتّوازي مع مخابر قمّرت، في مستهلّ عقد السّتينات من القرن الماضي، ويتطرق ضيفنا كذلك إلى ميلاد أيّام قرطاج السّينمائيّة عام 1966، وهي تظاهرة أقيمت من أجل التّعريف بالسّينما الأفريقيّة والعربيّة والنّهوض بها.

لكن خليل يأسف على تصفية شركة “الساتباك” وبيع كلّ محتوياتها والتّفريط في كلّ مكاسبها، خلال مزاد علني “مذلٍّ ومُهين”، في منتصف الثّمانينات من القرن الماضي، علاوة على إغلاق قاعات السّينما أبوابها الواحدة تلو الأخرى في تونس العاصمة وفي المدن الداخلية منذ بداية التّسعينات، إلى درجة أنّه لم يبق منها سوى 26 قاعة عند انطلاق الألفيّة الثّالثة بعدما كان عددها، خلال السّبعينات والثمانينات من القرن الماضي، يقارب 127 قاعة.

نتطرق مع ضيفنا إلى الحديث عن أبرز الأفلام التّونسيّة على مدى الخمسين سنة الماضية، ليقول “يجب أن نتناول السّينما التونسيّة في ضوء جلّ فروعها: الأشرطة الرّوائيّة الطّويلة والأشرطة الوثائقيّة والأشرطة القصيرة. في ما يتعلّق بالمجال الأوّل، أعتقد أنّ “سجنان” (1974) لعبد اللّطيف بن عمّار هو أفضل فيلم تونسي بلا منازع، لكنْ هناك أفلام أخرى مبهرة ومؤثّرة، مثل “خليفة لقرع” لحمّودة بن حليمة (1966)، و”حلفاوين”لفريد بوغدير (1990)، و”صمت القصور” لمفيدة التّلاتلي، وغيرها”.

ما يميز السينما التونسية بروز جيل من السينمائيين الشبان، لكن هناك ظواهر سلبية مثل الكلام الفاحش المسقط

يظنّ خليل أنّ ما يميّز السّينما التونسيّة حاليّا، هو بروز جيل جديد من السّينمائيّين الشّبان، في شتّى الأجناس السّينمائيّة، طاقات وكفاءات متعطّشة للتّعبير والنّبش عن المسكوت عنه بجرأة كبيرة، مع ضمان اللّمسة الفنّية والجماليّة. أمّا بالنّسبة إلى السّينمائيّين من جيل الأوائل، فيرى ضيفنا أن البعض من جيل المخضرمين، تقلّصت قريحتهم، لافتا إلى أنّ الإفلاس، كتابة وتصوّرا وإنجازا، أصبح يداهمهم. لذا لا بدّ، في رأيه، من الاعتماد على الشّباب الكفء والذّكيّ والصّادق لأنّ هذا هو منطق الحياة.

من جهة أخرى يقول ضيفنا “هناك ملاحظة هامّة تتعلّق بالسّلبيّة الدّامغة الّتي تنخر الآن السّينما التونسيّة، في جلّ تعبيراتها، ألا وهي الكلام “السّافر” و”الفاحش” الّذي أصبح كرّاس شروط السّينما التّونسيّة الجديد. كلّما اسْتُعْمِلَ هذا الكلام في سياقه إلاّ وكان مقبولا ورائقا، وكلّما أسقط في فيلم ما بصفة مجانيّة واستعراضيّة إلاّ وبدا ركيكا ومبتذلا”.

الأدب التونسي

درّس خليل اللّغة والأدب الفرنسيين، وهو اختصاصه الأصلي، في العراق وفي المملكة العربية السعودية وليبيا، ويكتب خليل باللّغتين الفرنسيّة والعربيّة على حدّ سواء. ومن مؤلّفاته، نذكر “الصّحافة، غواية السّينما والتّلفزة بتونس” و”كلب بغداد” و”العرب والحداثة السّينمائيّة”، وغيرها.

هذا دون أن ننسى مؤلّفاته المكثّفة بفرنسا عن أندري جيد وجان جينيه، وهي بحوث أكاديميّة في الأصل، قام بتطويعها إلى فعل ثقافي، إضافة إلى ترجمته لنصوص روائيّة تونسيّة ونصوص من المنجز الرّوائي العربي والعالمي.

وواكب ضيفنا بقوّة ولادة الحركة الثّقافيّة في تونس في الثّمانينات من القرن الماضي قصّة وشعرا ورواية. عن ذلك كتب الكثير من المقالات والدّراسات، يعلق قائلا “لقد واكبت الحركة الثقافيّة التّونسيّة وعاشرت لمدّة طويلة عدّة روائيّين وشعراء تونسيّين، وكتبت عنهم”.

مؤلف يمزج بين الشّهادات والعمل التوثيقي

اهتم ضيفنا بالقصّاصين والرّوائيّين التونسيّين، حيث يقول “هناك روايات تونسيّة أعجبتني وهزّتني كثيرا، مثل “برومسبور” لحسن بن عثمان، و”النّخاس” لصلاح الدّين بوجاه، و”مراتيج” لعروسيّة النالوتي و”وداعا روزالي” لحسونة المصباحي. لكنّ الرّواية المفضّلة بالنّسبة إليّ هي بلا منازع “الدّقلة في عراجينها” للبشير خريف”.

لكن خليل يلفت إلى أنه بات هناك متهافتون ودخلاء في هذين المجالين من الإبداع الأدبي، خاصّة وأنّ الإنتاج الرّوائي أصبح إلى أبعد الحدود مرتبطا بالجوائز الأدبيّة ومحفّزاتها الماديّة، الزّهيدة والمضحكة في بلد مثل تونس، والمغرية والسّخيّة في بعض بلدان الخليج العربي، على غرار الإمارات. نلاحظ تهافتا أيضا من بعض الجامعيّين الّذين تفطّنوا أنّ الألقاب الأكاديميّة والرّتب العلميّة لم تعد تصنع النّجوميّة، نجوميّة يكتسبها ويحتكرها حاليّا فَيْلَقٌ من منشّطي التلفزيون الّذين تميّز البعض منهم بتفاهتهم وبازدرائهم المعلن للمعارف وللثّقافة، كما يقول ضيفنا.

أما عن الشّعر والشّعراء، فيرى ضيفنا أن هذه حكاية أخرى، حيث عاشر، في بداياته، الكثير منهم بصفة دائمة، وتبيّن له بعد فترة أنّ البعض منهم، يعانون من بؤس فكري ومن ضحالة على مستوى التّجربة الحياتيّة، وارتأى له أنّ “الأناشيد الشّعريّة الجميلة” للبعض منهم وأنّ “القيم والأحاسيس الخلاّبة” الّتي يتغنّون بها في قصائدهم ما هي إلاّ تَورية لعقمهم وانسداد أفقهم، خاصّة عندما ينكشف لك جوهر معدنهم الإنساني والثّقافي.

يتابع “في بلد صغير مثل تونس، يتناسل الشّعراء، إناثا وذكورا، مثل الذّباب ولا أرى في ذلك ظاهرة صحّية إطلاقا، وتتكاثر الأمسيات الشعريّة، هنا وهناك، مثل الملح في الطّعام، وهي مظاهر تخلّف لا أكثر ولا أقلّ. إنّي أضع الشّعر في أعلى مراتب الإبداع الأدبي. ثم إن تونس أفرزت بعض الشّعراء الحقيقيّين والمتميّزين الّذين لا يرقى لقيمتهم أيّ شك، منهم على وجه الخصوص منوّر صمادح، مصطفى خريف وعبدالحميد خريّف، وجعفر ماجد، محمّد الغزّي وغيرهم. لكن من بين الشّعراء المفضّلين لديّ، هناك أساسا الصغيرّ أولاد أحمد، المنصف الوهايبي، وآدم فتحي الّذي أرى فيه ليس شاعرا ألمعيّا فقط وإنّما أيضا مثقّفا ومترجما من طراز عال”.

15