المبدعون المصريون في "موسم الهجرة" إلى الرواية

الجمعة 2015/01/02
مكاوي سعيد وفؤاد قنديل شاعران تحولا إلى روائيين

باتت ظاهرة تحوّل عدد كبير من الشعراء إلى كتابة الرواية سمة من سمات العصر الحالي، فما نكاد نرى روائيا بارعا إلا وقد بدأ حياته الإبداعية بكتابة الشعر، وانطلق بعدها إلى كتابة القصة القصيرة ثمّ من بعدها الرواية، حتى أصبح لدى الكثيرين ما يشبه اليقين من أن العصر الحالي هو عصر الرواية بلا منافس، وأن الشعر يتنازل عن عرشه السابق لصالح الراوية.

في عام 1999، حين كتب المثقف المصري ووزير الثقافة الحالي جابر عصفور، كتابه “زمن الرواية” وُجّهت إليه انتقادات عنيفة، مبعثها أن مكانة الشعر ثابتة ولن تتغير، وأنه لا يزال قادرا على استيعاب القدرات الإبداعية اللامحدودة للمبدع، وأنه من الصعب أن يتنازل عن عرشه الذي ناله على مدار سنوات طويلة.

كثيرة هي الأسباب والدلائل التي ساقها عصفور في كتابه للتدليل على أن الرواية “تزيح” الشعر من عرشه يوما بعد يوم، حيث يقول في كتابه: «لقد ساد الشعر في عصور الفطرة والأساطير، أما هذا العصر -عصر العلم والصناعة والحقائق- فيحتاج حتما إلى فن جديد، يوفق على قدر الطاقة بين شغف الإنسان الحديث بالحقائق، وحنانه القديم إلى الخيال.

وقد وجد العصر بغيته في القصة، فإذا تأخر الشعر عنها في مجال الانتشار، فليس أرقى من حيث الزمن، ولكن لأنه تنقصه بعض العناصر التي تجعله موائما للعصر، فالقصة على هذا الرأي هي شعر الدنيا الحديثة».


المستقبل للقص

عدد المبدعين الذين اتجهوا إلى كتابة الرواية لا يمكن حصره


لم يختلف الوضع في الوقت الحالي عن وقت صدور الكتاب، بل ربما ازدادت الظاهرة رسوخا وثباتا، وعدد المبدعين الذين اتجهوا إلى كتابة الرواية لا يمكن حصره، ولكن يمكن الوقوف بشكل أو بآخر عن الأسباب التي دفعتهم لذلك، والتي جاء معظمها لقدرة الرواية على استيعاب أفكارهم والتعبير عنها بشكل أفضل.

الروائي المصري مكاوي سعيد بدأ حياته الإبداعية في أواخر السبعينات بكتابة الشعر، حينما كان طالبا بكلية التجارة، حيث انطلق شاعرا كاتبا للخواطر حتى أنه حصل على لقب شاعر الجامعة عام 1979، وعقب التخرج شرع في كتابة القصة القصيرة، وصدرت له أول مجموعة قصصية بعنوان “الركض وراء الضوء”، وتلتها بعد ذلك روايته الأولى “فئران السفينة” عام 1985 التي تحدث فيها عن أحداث 18 يناير وانتفاضة الطلبة آنذاك، والتي حازت على جائزة سعاد الصباح.

ويرى سعيد أن كتابته للشعر كانت في بداية حياته التي شهدت “حماس الشباب”، إلا أنه يعتبر أن المستقبل للقصة القصيرة والرواية، رافضا الاستمرار في كتابة الشعر لأنه لن يقدم أيّ جديد للكتابة الشعرية.


عاطفة الشعر


الروائي المصري فؤاد قنديل بدأ هو الآخر حياته الإبداعية بكتابة الشعر، إلا أنه تحوّل فيمــا بعد إلى كتابة القصة القصيرة والرواية.

وعن هذا يقول: «بدأت كتابة الشعر بحكم عاطفتي وقت الشباب وانفعلت بثورة 52، وكتبت عن العدوان الثلاثي وتأميم القناة والوحدة بين مصر وسوريا، وهي أشياء عاطفية تناسب السن، وكان هناك انبهار من قبل الجمهور بالشعر، لكن بعد فترة بدأت أشعر أنني غير مجيد بشكل كاف، وشعرت برغبتي في الحكي بشكل أوسع، فجربت القصص القصيرة وتمّ نشرها في الصحف، وشعرت أن شعر الآخرين أفضل مني بكثير، وهو ما لم أشعر به عند كتابة القصة.

ولكن الرواية لجأت إليها بحسب الموضوعات والأفكار، فالموضوع الكبير يحتاج إلى مساحة كبيرة للتعبير عن الشخصيات، لذلك فالرواية نضطرّ إليها بسبب الموضوع والفكرة والوصف».


سهولة الرواية

الرواية أصبحت "ديوان العرب"


الناقدة والروائية المصرية هويدا صالح تؤكد في تصريحات خاصة أن ظاهرة تحوّل كثير من الشعراء إلى روائيين يثبت صحة مقولة “زمن الرواية” التي أطلقها منذ سنوات جابر عصفور.

وأشارت هويدا صالح إلى أن ذلك الاتجاه جاء بسبب اهتمام النقاد والأوساط الأدبية بالرواية أكثر من الاهتمام بالشعر بما في ذلك ازدهار الحركة النقدية للرواية والاهتمام بمنح جوائز للروائيين عن أعمالهم.

وتستطرد صالح «انتشرت الرواية نظرا لسهولة التشكيل الفني لها، وسهولة تعامل النقاد مع النص الروائي، وغياب المعايير النقدية الحقيقية التي جعلت كثيرا من الروايات يبزغ نجمها، فضلا عن القرائية المرتفعة للرواية والاهتمام السينمائي بها، وسهولة كتابتها مقارنة بالشعر الذي يحتاج إلى مهارات فنية عالية».

وتلفت إلى أن الرواية أصبحت في العصر الحالي “ديوان العرب” بديلا عن الشعر الذي فقد بريقه، حيث استطاعت الرواية أن تسحب البساط من الشعر، مشيرة إلى أنه لا بدّ من إعادة الاهتمام بالشعر مرة أخرى عن طريق اهتمام النقاد بالاشتغال النقدي على الشعر بعيدا عن النظريات التقليدية، بحيث تولّد كل قصيدة منهجها النقدي بعيدا عن النقد بشكل مدرسي.

وأشارت صالح إلى ضرورة اشتغال الشعراء على التجربة الشعرية لإعادة مكانته المفقودة، لافتة إلى أن الشعر مجال صعب ويحتاج إلى قدرة من الشاعر على “التكثيف” والوصول إلى روح المعنى، والاشتغال على اللغة، خاصة في ظل هروب كثير من الشعراء من شعر “التفعيلة” و”الوزن” إلى شعر “النثر”، الذي يتميز بسهولته إلى حدّ كبير ولا يتطلب مجهودا كبيرا من الشاعر.

15