المبدعون والضحايا يكتبون التاريخ

الخميس 2017/04/06

ظل المثقفون العراقيون عقودا لا يجرؤون على كتابة تاريخ الوقائع التي عايشوها، بالرغم من أن الكثير منهم كان فاعلا في صناعتها، أو الوقوف عليها، إلا قلة قليلة أتيح لها الخروج من البلاد قسرا أو هربا أو ترحيلا ولأكون منصفا لأسباب العيش بكرامة.

وفي كل الأحوال يبقون قلة قليلة من العراقيين لا يتخطون بضع مئات من امتلك جرأة الكتابة ومسؤولية الموقف وذلك بتأثير أسباب كثيرة تقف وراء تلك الظاهرة ـ المفارقة، كونهم الشعب الأكثر أحداثا في المتغيرات السياسية، والانقلابية والحروب التي صبغت بلدهم بالدم الذي مازال يتدفق من زاخو حتى الفاو.

العراقيون يمتلكون خزائن من الحكايات والأحزان والذكريات تفوق كل احتياطي النفط لديهم، بل تفوق أعداد أفراد الميليشيات والقتلة والوطنيين والعملاء مجتمعين، وتتخطى أعداد النازحين والمهجّرين والمدمرة بيوتهم، والهاربين من جحيم واقع بدأ بالدم من أول أسطورة محاولة خلود لديهم في الأساطير السومرية والوركائية والبابلية والآشورية. ذكريات لن تنتهي عند خراب المدن التي بدأت بتخريب بابل إلى خراب البصرة الذي أضحى مثلا عربيا بامتياز عراقي، حتى سقوط عاصمة الدنيا بغداد.

الظاهرة الأهم التي تسجل اليوم قيام مجموعة، دعوني أسميهم “فرسانا” يكسرون حاجز الصمت والخوف والتوجس والاستحياء الذي طبع الشخصية العراقية بالكثير من الحسابات في التصدي لأحداث عايشوها، أو كانوا شهودا عليها، ولم يرها غيرهم.

من يكتب التاريخ العراقي، الحديث والمعاصر في آن؟

أظن أن مجموعة كبيرة من قادة الإدارات المدنية، وضباط الجيش وجنوده المكلفين بالخدمة الإلزامية من الكُتاب أصلا، والحزبيين، ورجال الدين ممن عملوا أو درسوا في شتى المرجعيات للطوائف هم شهود على ما حدث ويحدث فيها، أظنهم الإعلاميون والرياضيون والأدباء ممن عايشوا مختلف القيادات التي رافقت مسيرتهم.

ضباط وأفراد الأجهزة الأمنية ممن عرفوا ما كان يجري في السفارات والأقبية والزنزانات الانفرادية لمعتقلين مازالت دماؤهم على الجدران. أظنهم موظفو الدولة القريبون من مراكز السلطة بكل مراحلها، وعهودها الملكية والجمهورية المتتابعة، من فعل ومن أصدر وحرّض على الفعل، هذا وغيره بدأت عجلة الكتابة عنه، بجرأة. أظنها في التحصيل الحاصل ستنتج أدبا عالميا.. تعجز الكثير من التجارب أن تنتج مثيله، لغزارة الألم والدم والغلو والتشفي، والأخطاء، وهي بلا شك خطايا.

24