المبدع الحقيقي والأطر الثقافية

السبت 2016/08/06

ينشغل الكثير من المثقفين العراقيين هذه الأيام بانتخابات أطر تنظيمية معيّنة الغاية المعلنة منها خدمة الثقافة والنشاط الثقافي وتأطيره، ناهيك عن محاولة توفير الحد الأدنى من الأجواء المناسبة لاشتغال ذلك المثقف. لكن هل تمكنت تلك الأطر التنظيمية فعلاً من توفير كل ذلك؟

في الغالب ينأى المبدع الحقيقي بنفسه عن أيّ أعمال ذات طابع إداري تنظيمي لأنها تتعارض وتأملية الفعل الإبداعي بالضرورة، ويتركز عمل مثل تلك الأطر التنظيمية في العالم المتحضّر على حماية المبدع ونتاجه من الضياع والقرصنة وتوفير الحماية القانونية والدعم المالي له بما يضمن تفرغه وتواصله بمشروعه الإبداعي، ونتيجة لهذه الأهداف فإن العاملين أو المشرفين على تلك

الأطر في الغالب ليسوا من المثقفين أو المبدعين الحقيقيين، بل من الموظفين الإداريين الجيدين والمستشارين القانونيين، الأمر الذي يثير الكثير من الشكوك لتهافت الكثير من المثقفين العراقيين على العمل في تلك الأطر التنظيمية والصراع على إدارتها، ليس بدافع التنافس على خدمة الثقافة والإبداع وحماية المنجزات الثقافية للأعضاء المفترضين، بل من أجل التمتّع بالامتيازات التي توفرها الأنظمة الداخلية لتلك المنظمات للعاملين فيها بالدرجة الأساس، ولم تستطع تلك التنظيمات الثقافية على مدى أكثر من ثلاثة عشر عاما بعد التغيير التخلص من سمة التبعية لأنظمة الحكم والنأي بالمنجز الثقافي عن الصراعات السياسية.

وبعد أن كانت تتبع لنظام الحكم الدكتاتوري سابقاً صارت اليوم تتبع لتأثير الكثير من الحركات والأحزاب

السياسية المتصارعة على السلطة التي تعتقد أن النشاط الثقافي واجهة ما لتحسين صورتها، أو سلاح مضاف لأسلحتها في الحرب الدائرة ضد منافسيها من أجل الاستحواذ على المغانم والنفوذ.

إن أيّ مؤتمر أو جائزة أو تكريم أو منظمة لا يمكن أن تجعل من مثقف ما مبدعاً حقيقياً ما لم يكن يمتلك الشروط الفنية اللازمة لذلك، كما أن إيهام النفس بأن مثل تلك الممارسات على هامش الفعل الثقافي الحقيقي هي المؤشر على جودة النتاج المفترض، لهو اعتقاد مدمّر يؤدي إلى وأد التجربة والاستسلام للأساليب السهلة وغير الحقيقية مهما كثرت تلك الممارسات وتصاعدت هالاتها الإعلامية الخادعة.

لقد انعكست تلك الظواهر الهزيلة على العمل التنظيمي الثقافي نفسه ليتحول بدوره إلى بؤر للصراع السياسي ويبتعد مع مرور الوقت عن الخدمة الفعلية للثقافة والمبدعين، الأمر الذي أدّى إلى ابتعاد المبدعين الحقيقيين عن تلك المنظمات والنأي بمشروعهم الإبداعي الشخصي بعيداً عن تأثيراتها، بعد أن كثرت الممارسات الهامشية البعيدة عن صلب العمل الثقافي والمتمثلة في حفلات التكريم وتوزيع الدروع المجانية والجوائز والإصدارات بعيداً عن أيّ أنماط معيارية معيّنة.

لقد أدّى هذا التهافت على العمل في الأطر الثقافية المختلفة إلى إهمال الأهداف الحقيقية لتلك الأطر والمتمثلة بمراقبة المنتج الإبداعي وتحيكمه وصدّ النماذج الهزيلة وعدم تعميمها أو نشرها، الأمر الذي أدّى بالتالي إلى ضعف كافة الأطر الأخرى المرادفة للعمل الثقافي أو ذات العلاقة به، كاتحاد الناشرين العراقيين الذي وقف عاجزاً عن صد عمليات القرصنة الجارية على قدم وساق في شارع المتنبي وعدم ممارسة دوره الرقابي ـ الفني على ما تنشره دور النشر الهجينة من موبقات بحقّ الإبداع والذائقة المجتمعية، بل عاجز حتّى عن حصر دور النشر العاملة وإجازتها.

وفي المحصلة لا بد للمثقفين العاملين في تلك الأطر من الانتباه لمنجزهم الإبداعي نفسه والعمل على تطويره والاشتغال عليه بعيداً عن تأثيرات العمل التنظيمي لا سيما أن أغلبهم من المبدعين الحقيقيين وأصحاب مشاريع خلاقة في السابق، وترك العمل الثقافي الهامشي للإداريين والمتخصصين بمثل تلك الأعمال.

كاتب من العراق

16