المبدع تحت مجهر الناقد

بروست: الاعتماد على الحياة الشخصية للمبدع لتقييم أعماله قد يكون مثيرا للفضول، لكنه ليس معيارا نقديا حاسما.
الثلاثاء 2019/02/19
الغوص في أعماق الشخصية

في البعض من مقالاته التي كانت تعكس حسّا نقديّا رفيعا، أعاب مارسيل بروست على سانت بوف، بطريرك النقد الفرنسي في القرن التاسع عشر، ميله إلى استعمال ظروف حياة المبدع، وما يُروّج عنه من أخبار في مختلف الأوساط الاجتماعية، ليجمع من كل ذلك المادة الأساسية التي يعتمد عليها في نقد عمل من أعماله.

لذلك لم يبد سانت بوف رغبة في فحص أعمال كلاسيكية قديمة سواء من العصر الإغريقي أو الروماني، أو من عصر النهضة، أو حتى من عصور قريبة لأنه لم يتيسر له التعرف على خفايا الحياة الشخصية لأصحابها، مُنكبا على دراسة أعمال معاصريه الذين كان يلتقي بهم في الصالونات، ومعهم يتبادل الرسائل، والآراء في شؤون الأدب والحياة في جميع تجلياتها. 

ويرى صاحب “البحث عن الزمن المفقود” أن تلك الطريقة أوقعت سانت بوف، الذي كان معاصروه من الأدباء والشعراء يخشونه ويهابون طلعاته النقدية التي كان يسميها “أحاديث الإثنين”، في أخطاء جسيمة. لذلك لم يتمكن من إدراك عظمة أعمال أدباء وشعراء من عصره، موليا اهتمامه لكتاب وشعراء لم تتمكن أعمالهم من الصمود أمام الزمن.

ويعتقد بروست أن الاعتماد على الحياة الشخصية للمبدع لتقييم أعماله قد يكون مثيرا للفضول، لكنه ليس معيارا نقديا حاسما إذ أن العمل الإبداعي هو “ثمرة أنا أخرى” قد تكون مختلفة تماما عن تلك التي تتجلى، وتبرز في الأوساط الاجتماعية.

لذلك يتحتم على الناقد أن يسعى دائما للغوص في عالم هذه “الأنا المتخفية” لسبر أغوارها ومجاهلها. وهذا ما لم يفعله سانت بوف مع ستاندل حيث جعل من حياته الشخصية معيارا لنقد أعماله ليحط في النهاية من قيمته الأدبية الرفيعة قائلا بأنه أعاد قراءة رواياته ليجدها في النهاية “مقيتة وكريهة”.

ومع بودلير، تعامل سانت بوف تعاملا أبويا حيث كان يصف صاحب “أزهار الشر” بأنه “ولد متمرد ومجنون”. لذلك لم يبد تحمسا للدفاع عندما تمت مقاضاته بسبب “المس من الأخلاق العامة”. وفي رده عليه قال بروست إن سانت بوف حكم على بودلير “أخلاقيا”، من دون أن يكلف نفسه الغوص في أغوار شخصيته “المعقدة” التي لا تختلف عن شخصية العديد من المبدعين الكبار من القدماء أو من المحدثين.

والاعتماد على الحياة الشخصية للمبدع أوقعت سانت بوف في خطأ جسيم آخر حيث وصف فلوبير بـ”الكاتب السوقي” بعد أن اطلع على مغامراته الجنسية مع عشيقاته في حين أن صاحب “مدام بوفاري” كان يؤكد دائما على أن الحياة الحقيقية للمبدع تكمن في أعماله، أما ما تبقى فـ”هراء وسخف”.

وإذا نحن تمعنا في حياتنا الأدبية والثقافية، فإننا نتبين أن الجانب المفرط والسطحي في “طريقة سانت بوف” كما سماها بروست، هو الطاغي والغالب. لذلك نحن لا نكاد نقرأ نصوصا نقدية جادة ومثيرة للاهتمام عن أعمال أدبية معاصرة لنا إلاّ في ما ندر. وفي غياب نقاد حقيقيين، برز أشباه نقاد وأشباه صحافيين سمحوا لأنفسهم بالسيطرة على المشهد الثقافي والإبداعي، مصدرين أحكاما خاطئة ومتسرعة وظالمة عن هذا المبدع أو ذاك.

وغالبا ما يعتمد هؤلاء على ما يروج من أخبار قد تكون زائفة عن صاحب العمل الأدبي أو الفني. وبسبب كل هذا، كثر ما كان يسميه الراحل عبدالوهاب البياتي بـ”المافيات الثقافية” التي سممت الحياة الأدبية والفنية، وأفسدتها جاعلة من المجاملات ومن الصداقات ومن المصالح الخاصة أدوات أساسية لتقييم الأعمال الأدبية والفنية وغيرها.

14