المبدع وعصره وموقفه

القصيدة العربية قبل الإسلام هي غير القصيدة التي اقترنت بمرحلة فجر الإسلام، وهي غير قصيدة المدينة العربية.
السبت 2020/02/08
لوحة: ميسا محمد

قال الإمام علي بن أبي طالب، في أمر يتعلق بالشعر وبالشعراء، أثبت هنا مقولته هذه كما حفظتها من قبل وهي “كلُّ شعرائكم محسن، ولو جمعهم زمان واحد وغاية واحدة ومذهب واحد في القول، لعلمنا أيهم أسبق إلى ذلك” وقبل أن نقف عند مضمون هذه المقولة، لا بد أن نشير إلى ما جاء فيها “لو جمعهم زمان واحد” و- لو – كما يقول أهل اللغة حرف امتناع لامتناع، أي امتناع العلم بأيهم أسبق أو أفضل أو أحسن، لامتناع جمعهم في زمن واحد وغاية واحدة ومذهب واحد في القول.

ومن المؤكد أن لكل زمن، منظومة أفكار في ما تتفق عليه وما تختلف، كما لكل زمن جمالياته، فالقصيدة الهوميرية في الثقافة الإغريقية، هي غير القصيدة الإغريقية في أزمنة أخرى، غير زمان هوميروس، والقصيدة العربية قبل الإسلام هي غير القصيدة التي اقترنت بمرحلة فجر الإسلام، وهي غير قصيدة المدينة العربية، وبخاصة بغداد في العصر العباسي، كما أن المنحوتة السومرية مثلا، هي غير المنحوتة الآشورية، مادة وشكلا وحجما وموضوعا.

ومن المؤكد أيضا، أن هدف المبدع، شاعرا كان أو نحاتا، كما سماه الإمام علي -الغاية- يختلف ليس من زمن إلى زمن فحسب، بل من مبدع إلى آخر، حتى لو عاشا في مرحلة زمنية واحدة.

أما الإشارة التي وردت في المقولة المذكورة، إلى المذهب في القول، فهي تشير بقدر غير قليل من الوضوح، إلى الخيار الجمالي وبخاصة على صعيد اللغة بنى ومعجما، وهذا الخيار لا ينصرف إلى اختلاف زمن مبدع عن زمن غيره، سواء سبقه أم جاء بعده، بل نجده أيضا في المرحلة الزمنية الواحدة وفي جميع الثقافات الإنسانية في الماضي والحاضر، فالمكونات الجمالية في شعر امرؤ القيس مثلا، هي غير المكونات الجمالية في شعر زهير بن أبي سلمى، مع أنهما ينتميان إلى مرحلة زمنية واحدة ومحيط اجتماعي وثقافي واحد، بل إن شاعرين عاشا معا، مثل جرير والفرزدق وتبادلا النقائض على صعيد الفن الشعري، ليس إلا، كما تبادلا احترام كل واحد منهما لإنجاز الآخر، ومع هذا ظل لكل منهما مكوناته الجمالية الخاصة بشعره، والفرق بينهما في مذهب القول، قال به من عاصرهم من العلماء بالشعر، واستمر هذا القول في الفروق الجمالية بين شعر جرير وشعر الفرزدق، في ما جاء بعد زمنهما من زمن ومن جاء بعدهما من نقاد الشعر.

وهنا أود أن ألفت النظر إلى أنهما ممن جمعهما زمن واحد وغاية واحدة، ذاتيا واجتماعيا وسياسيا، لكن ما فرق بينهما وجعل لكل منهما شخصيته الشعرية هو اختلافهما في مذهب القول، أو بتعبيرنا المعاصر، الخيار الجمالي.

ونستطيع أن نأتي بكثير من الأمثلة، سواء في الشعر أم في غيره من أجناس القول وفنون الإبداع، وفي عصرنا نتذكر ثنائيات كثيرة، شعرية وموسيقية وتشكيلية، منها مثلا، ثنائية أحمد شوقي وحافظ إبراهيم والرصافي والزهاوي والسياب والبياتي وعبدالوهاب وفريد الأطرش وجواد سليم وفايق حسن، وقد اخترت جميع هذه الأمثلة، قديمها ومعاصرها، مما يجمع بين طرفيها زمن واحد وغاية واحدة ويفرق بينهما الخيار الجمالي، وفي جميع هذه الأمثلة، في الشعر أو في غيره، نجد من يحاول أن يجعل من ميوله الذاتية، البعيدة عن العوامل الموضوعية، معيارا يعبر عنه بالتعصب، فيؤسطر من يتعصب له، ويحاول محو الآخر، مهما كان حضور الآخر قويا ومؤثرا.

ومما يسترعي الانتباه في مواقف المتعصبين في كل زمان وفي كل مكان، كونهم يعلنون عن مواقفهم ليس باعتدادها مواقف شخصية، بل كونها حقائق لا تقبل النقاش وكل ما يخالفها ليس سوى تجاوز، يماثل تجاوز المقدسات.

وإذا كان الإبداع يتأثر بالمرحلة الزمنية التي يظهر فيها ويعبر عنها، واقعا وتوجهات، ويتأثر كذلك بالجماعة التي ينتسب إليها المبدع، شعبا أو دينا أو طائفة أو حزبا، كما يظهر هذا التأثير في تبني منظومة فكرية ما، وهذه جميعا تجعل منه مؤتلفا أو أقرب إلى أن يكون كذلك، ولا أقول متشابها، لأن التشابه نقيض جوهر الإبداع، غير أنها جميعا لا تحول دون أن يكون مختلفا، بمعنى أن يكون لكل مبدع شخصيته الإبداعية وعمله الإبداعي المختلف عن سواه، مع انتسابه إلى المرحلة الزمنية ذاتها أو ينتسب إلى جماعة أو إلى منظومة فكرية.

غير أن المختلف في الحالات التي أشرنا إليها لا يعني غياب بعض السمات المشتركة في إبداع المرحلة الزمنية الواحدة أو الجماعة الواحدة أو المنظومة الفكرية الواحدة، وهذه السمات المشتركة ذات تأثير بصفحتين، في صفحة منه، يغني سمات التجارب الذاتية ويمنحها خصوصيتها في تمثل الحاضر، وهذا التمثل يبعدها عن أن تكون تكرارا لما سبقها من تجارب، فردية كانت أو مرحلية، أما في صفحته الثانية فهو يجعل من هذه التجارب أقرب إلى الواقع والتعبير عنه في ما هو مختلف عن الماضي وموضوعاته وقضاياه، وعن مقوماته الجمالية في آن واحد.

إن المختلف على صعيد الإبداع، ليس لعبة ساذجة وسطحية واستعراضية، يمكن تحقيقه -المختلف- بخفة ويسر، بل هو نتيجة وعي المتغيرات العامة في الفكر والواقع أو في توقع حدوثها والتبشير بها والتعبير عنها.

وفي جميع الأحوال، إن الإبداع نتيجة جهد ذاتي، يتشكل بتأثير ما هو عام في الفكر والواقع.

14