المبدع يقف على يسار أي نظام وهو ابن الحرية

حوار مع الكاتب والفنان التشكيلي المصري عزالدين نجيب حول مسيرة نضاله بين اللوحة والكتب.
الجمعة 2018/12/21
أبطال قصصي فنانون تشكيليون أيضا

نلتقي أحيانا بتجارب كتاب وشعراء يمارسون أكثر من فن إبداعي واحد، فنجد منهم الموسيقي أو التشكيلي أو المسرحي أو السينمائي، وغير ذلك من صنوف الإبداع، التي وإن يرى بعضهم في تمازجها إثراء لبعضها البعض، فإن آخرين يرون تجاور فنين في ذات المبدع ينتهي بغلبة أحدهما على الآخر.

ضياء حامد

القاهرة - يجمع الكاتب والرسام المصري عزالدين نجيب بين الفن التشكيلي والكتابة الأدبية، فقد أقام 26 معرضا فرديا، بخلاف المعارض الجماعية وشارك في تأسيس بعض قصور الثقافة بالمحافظات، وعمل بها مشرفا فنيا وحصد العديد من الجوائز منها جائزة الدولة التقديرية. كذلك أصدر العديد من المؤلفات الأدبية خاصة في ميدان القصة القصيرة، كما يخصص جزءا من نشاطه الثقافي للعناية بالتراث، حيث يرأس جمعية أصالة لرعاية الفنون التراثية والمعاصرة منذ عام 1997.

يتحدث نجيب عن المؤثرات التي أثرت عليه فكريا وفنيا قائلا “بدأت مشواري الفني عام 1964 بإقامة أول معرض لي بالإسكندرية واستلهمت فيه تجربة بناء السد العالي ضمن كوكبة من الفنانين آنذاك، حيث قمنا بزيارة موقع العمل وتفاعلنا مع المشروع القومي للنهضة الوطنية، وعايشنا أهل النوبة قبل تهجيرهم وغرق قراهم في أعماق بحيرة السد، وكان ذلك امتدادا لاستلهام واقع المجتمع والقرية – حيث نشأت- وحياة الكادحين من فلاحين وعمال”.

النضال الفني

يقول عزالدين نجيب “لقد تأثرت في بداية تكويني كفنان وكاتب بالفكر الثوري المنحاز للشعب ونضاله وموروثه الحضاري، وأعتقد أن ذلك كان هو المناخ المحرك لجيلي من المبدعين في شتى المجالات  ليس من منظور نظام الحكم الناصري حينها، لأنني كنت دائما في جانب المعارضة السياسية للنظام، فقد آمنت بتحقيق العدالة الاجتماعية، من منظور المثقف الثوري الذي يؤمن بالحرية ويقف في جانب المقاومة للاستبداد والرجعية والتبعية الثقافية، ويسعى لتأصيل الهوية القومية الممتدة بجذورها في تاريخنا الحضاري”.

وعن تجربته في المعتقل وتأثيرها على أعماله الإبداعية يقول “اعتقلت  ثلاث مرات أعوام  (1972 –1975 –1997)، وكانت هذه الفترات محكا لاختبار إيماني بمبادئي وقدرتي على الصمود، علما بأنني حتى وإن كنت منشغلا دائما بالحراك والتغيير السياسي، إلا أنني لم أشتغل قط بالسياسة كعمل حزبي أو تنظيمي، لقناعتي بأن الفنان يتجاوز قيود السياسة وتقلباتها، فحياته تقوم على الحرية والحلم بالأفضل، ويقف على يسار أي نظام حتى ولو كان هو الأقرب إلى مبادئه، لذلك كنت أخرج من السجن في كل مرة وأنا أكثر صمودا وثقه في دور المثقف والمبدع، ولم تستطع فترات الاعتقال – لي وللكثيرين من زملائي المبدعين– أن تحول بيني وبين مواصلة الإبداع والحلم حتى بداخل الزنازين”.

ويتابع الكاتب والرسام “نشرت رسومي ومذكراتي بعد الإفراج عني في كتابين هما ‘مواسم السجن والأزهار‘ 1998، و‘رسوم الزنزانة‘ 2014، وقد لا يكون هناك في مصر فنان غيري واجه تجربة السجن السياسي منذ الستينات، وبالتالي لم يسبقني فنان إلى نشر رسومه ومذكراته عنها، قبل وبعد ثورة يونيو 2013، لكنني لم أجعل من هذه التجارب مبررا للأخذ بالأساليب الواقعية المباشرة، بل كنت دائم البحث عن رؤية تعبيرية ومجازية منفتحة على اتجاهات الفن العالمي دون التخلي عن الخصوصية المحلية”.

عزالدين نجيب يمثل رافدا جديدا في كتابة القصة كون قصصه تحمل رؤية جمالية مستمدة من الفن التشكيلي
عزالدين نجيب يمثل رافدا جديدا في كتابة القصة كون قصصه تحمل رؤية جمالية مستمدة من الفن التشكيلي

أما بخصوص حصوله على جائزة الدولة التقديرية عام 2014 ولماذا تأخرت الجائزة رغم مشواره الفني الطويل، يعلق نجيب “لا أظن أن الجائزة تأخرت عني بالنظر إلى تصنيفي كمعارض سياسي طوال السنين السابقة على نيلها، وربما لو لم تقم ثورة 30 يونيو 2013 ما كنت حصلت عليها، فالحراك الثوري بعدها سمح بصعود كثيرين ممن قاوموا الاستبداد والقهر طوال الأجيال السابقة، فضلا عن أنني لم أسع يوما للفوز بالجوائز أو التقدم للحصول عليها، دون أن يخامرني إحساس بالظلم، لأنني أنا الذي اخترت موقفي المعارض أو المستقل وعلي أن أدفع ثمن اختياري. من هنا جاء اعتزازي بالجائزة، خاصة أنها منحت لي من خلال تصويت سرى ثلاث مرات متتالية في نفس الجلسة بالمجلس الأعلى للثقافة وجاءت النتيجة بإجماع أصوات لجنة تضم أكثر من أربعين عضوا من كبار رجال الفكر والنقد والإبداع”.

وعن تعرض لوحته “آدم وحواء” للاعتداء في أتيليه القاهرة، قال “ما حدث لهذه اللوحة ظل لغزا لم أجد حلا له حتى اليوم بعد سنوات من حدوثه، وهناك شكوك بالطبع في وجود دوافع انتقامية أو عقائدية من جهة أو تيار ما، لكنني لم أملك دليلا حتى أوجه الاتهام لأحد، وربما كنت قد أقنعت نفسي بأن ما حدث جزء من تصفية حسابات سابقة، وقد اعتدت على ما هو أقسى منها بكثير، خاصة ما حدث لمرسمي بقصر المسافر خانة عام 1976 حيث تم تدمير ثلاثين لوحة من أعمالي غير تحطيم كل أثاث المرسم بتدبير مباشر من جهات رسمية، لكن ما آلمني أكثر من أي شيء آخر في موضوع لوحة آدم وحواء هو الموقف السلبي الذي اتخذه أعضاء مجلس إدارة أتيليه القاهرة، الذي أنتمي إليه وأعتبره بيتي الثقافي منذ سنوات بعيدة، حيث أخلوا مسؤوليتهم مما حدث بل ذهبوا إلى الادعاء بأنني قمت بتمزيق اللوحة كنوع من الدعاية والسعي إلى الشهرة، وهو ما جعلني أقوم بتنكيس لوحاتي من فوق جدران القاعة ووضعها على الأرض قبل انتهاء فترة المعرض بنحو أسبوع”.

التشكيلي يكتب القصة

ردا على سؤال هل نجحت مجموعته القصصية “نقطة صغيرة قرب السماء” في الدمج بين اللوحة والقصة؟ يجيب نجيب “بدأت رحلتي الإبداعية ككاتب قصة قبل أن أقيم أول معرض للوحاتي، فلي أربع مجموعات قصصية بداية من عام 1962 وفازت أولاها ‘أيام العز‘ بثلاث جوائز من المجلس الأعلى للفنون والآداب كما صدرت لي بعد مجموعة ‘نقطة صغيرة‘ روايتي ‘نداء الواحة‘ وقد كتب الأديب يحيى حقي في تقديمه لمجموعتي ‘المثلث الفيروزي‘ أنني أمثل رافدا جديدا في كتابة القصة كونها تحمل رؤية جمالية مستمدة من الفن التشكيلي من حيث جعل الصورة السردية أقرب إلى اللوحة التشكيلية، فضلا عن أن الكثير من أبطال قصصي – وكذا رواية نداء الواحة – فنانون تشكيليون، وبهذا تميزت قصصي بدخول عوالم هؤلاء الفنانين ورؤاهم الخاصة للواقع وللعالم”.

أما بخصوص اهتمامه بالبحث عن الجذور والموروث في أعماله، فيؤكد نجيب أن الموروث في منظوره هو عامل من عوامل الهوية الثقافية، وفي بلد مثل مصر يتشكل من طبقات حضارية تمتد آلاف السنين ولا يزال شعبها يعيش الكثير من ملامحها، يصعب على أي فنان الإفلات من سطوة هذا الموروث، لكن الفيصل هو نظرة الفنان إليه وكيفية تعامله معه، فهل يحمله فوق ظهره حتى ينوء به ويعجز تحت ثقله عن التقدم إلى الأمام أم يحمله في داخله كطاقة روحية وجمالية دافعة تمتزج بقيم العصر وملامحه الجديدة القادرة على خوض تجارب الواقع وتطلعات المستقبل.

 ويؤكد أنه قد اختار المنظور الأخير إلى الموروث الثقافي من خلال استيعاب فنون الحضارات المختلفة من مصرية قديمة وهلينية وقبطية وإسلامية وشعبية وامتصاص رحيقها حتى من بين أطلال بعض الواحات مثل سيوه والخارجة والداخلة واستلهام حوار افتراضي من خلالها بين عصور الماضي والحاضر والمستقبل.

15