المتاحف الشخصية مبادرات فردية لحفظ الذاكرة الجماعية

حفظ الآثار وصونها وحمايتها لتقديمها للناس على هيئة وثائق وشواهد تاريخية، ليست مهام مقصورة على عاتق الدولة ومؤسساتها. الفعل بوصفه ذود عن تاريخ البلاد والبشرية عموما أصبح مؤمنا من قبل أشخاص تتوفر لهم القدرة كما الإيمان بأهمية صون التراث والذاكرة، ومثال عبدالله مشبب آل منصور، صاحب متحف أثري شخصي في منطقة نجران السعودية يقيم الدليل على أن الجهد الذاتي يكمل واجبات الدولة في هذا الشأن ولا يلغيها.
الاثنين 2015/09/21
متاحف نجران الشخصية تحتفي بتراث المنطقة الثري وتحفظ حرف الأجداد

الرياض - يمكن أن نعرّف المتاحف الشخصية بأنها مقر يختاره شخص أو مجموعة أشخاص ليجمعوا فيه قطعا تراثية قد يكون بعضها نادرا وليعرضوها بطرقهم الخاصة لغاية إطلاع زوارهم على تاريخها وعما ارتبط بها من حكايات الماضي. الملاحظ أن هذه النوعية من المتاحف التي ظهرت في العقود الأخيرة في عدد من دول الخليج، ومنها المملكة العربية السعودية، ليست تحت إشراف الدولة بل تأسست بمبادرات فردية.

العولمة وسوق الاستهلاك العالمي وتطور الأدوات والوسائل المستعملة يوميا جعلت جميعها الحياة العصرية ونمطها يتشابهان في أغلب دول العالم خاصة في ما يخص الأدوات المنزلية وأدوات الزينة المتطورة التي باتت متشابهة وتشهد إقبالا كبيرا من قبل المواطن العربي بما أنها تسهل عليه مهامه اليومية وحياته، هذه المظاهر وغيرها من نتائج الانفتاح والعولمة تهدد بضياع الثقافات الخاصة وبالتالي ضياع الإرث الشعبي بكل محتوياته عبر تفريط الأجيال الفتية في ما ابتكره أسلافها وما تركوه لها لتستعين به في حياتها.

ومثلما تحاول المجتمعات العربية الحفاظ على عاداتها وتقاليدها وعلى الفنون الشعبية ومراسم الاحتفال أو الطقوس الدينية في الجانب اللامادي من التراث تحاول فئات من الدول مواكبتها وحفظ هذا الارث إلى جانب الإرث المادي بإقامة المتاحف وجمع كل الأدوات والقطع والتحف التي لم تعد تصنع أو تستعمل لتكون آية على ثقافة الأجداد وما تركوه من عمل لأحفادهم. على هذا المنوال نسجت فئات اجتماعية معينة وأشخاص يكونون في أغلب الأحيان من الأثرياء أو ميسوري الحال، حيث يدفعهم ولعهم الجامح بالأدوات والقطع الأثرية النادرة والتي لم تعد تستعمل اليوم إلى جمعها في متاحف شخصية، ويبذلون قصارى جهدهم وكثيرا من وقتهم ومالهم ليؤثثوها، ويحافظوا على ما جمعوه من مقتنيات لا تقدر بثمن في نظرهم نظرا لقيمتها التاريخية والثقافية.

في منطقة نجران التي اشتهرت بإرثها التاريخي اتجه بعض أبنائها نحو الاحتفاظ بهذا الإرث من خلال إنشاء متاحف شخصية

وفي المملكة العربية السعودية كما في الإمارات وعدد من دول الخليج العربي تزايد إقبال المواطنين على تأسيس متاحفهم الشخصية لأسباب ثقافية أو شخصية أو وطنية، وأصبحت هذه المتاحف تمثل رديفا للمتاحف الحكومية في حفظ الإرث الشعبي والأدوات والقطع التي أصبحت من الماضي وباتت باهظة الثمن نظرا لقدمها والطريقة الحرفية القديمة والمميزة في صناعتها وعدم توفرها في الأسواق، وهو ما دفع الجهات الحكومية الرسمية المعنية بالآثار إلى بحث سبل هيكلة هذه المتاحف وتثمين مقتنياتها للاستفادة منها محليا وإقليميا، ولم لا توظيفها دوليا كأداة لاستقطاب السياحة؟

وفي المملكة العربية السعودية وتحديدا في منطقة نجران التي اشتهرت بإرثها التاريخي المنتشر بدلالاته الرمزية اتجه بعض أبناء المنطقة نحو الاحتفاظ بهذا الإرث من خلال إنشاء متاحف شخصية في منازلهم لعرض أدوات هذا التراث للجيل الحالي ليتعرفوا على تاريخ المنطقة القديم وتجارب الآباء والأجداد في الحقب الزمينة التي مضت، وذلك إلى جانب الدور الذي تؤديه الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني في مجال حفظ تراث مناطق المملكة ومن بينها نجران.

ويؤكد أحد مالكي المتاحف الأثرية في نجران، عبدالله مشبب آل منصور، اهتمامه بإنشاء متحفه الشخصي لحفظ تراث الآباء والأجداد من الضياع في خضم الحياة المدنية التي غيرت اهتمامات بعض أفراد هذا الجيل وجعلتهم يهملونه، مشيرا إلى أن المتاحف الأثرية تنقل التاريخ القديم الذي عاشته الأجيال الماضية وبقيت آثارها حتى هذا العصر عبر بعض الأدوات التي احتفظ بها بعض أهالي المنطقة ولا يزال البعض منهم يستخدمها، مبينا أن المتحف يجمع هذا التاريخ في مكان واحد ليتمكن جيل الصغار والشباب من الاطلاع عن كثب على قيمته.

وأفاد آل منصور أن التراث ليس لحظة من الماضي أو قصة من الزمان تُروى للإنسان فقط، بل هو وجه جلي من أوجه الهوية الإنسانية، وجسر متين لمعايشة الحاضر بكل تجلياته وتطوراته.

التراث ليس لحظة من الماضي أو قصة من الزمان تروى للإنسان فقط، بل هو وجه جلي من أوجه الهوية الإنسانية

وأوضح أن متحفه الشخصي يحتوي على أكثر من 500 قطعة تراثية تتنوع بين الأواني المنزلية التي كانوا يستخدمونها قديما في الأكل والشرب؛ كالجْمَنَة والدِلال والزير والمِدْهَن الحجري الذي يوضع فيه الأكل، والقِطَفْ الذي يحفظ التمر والذرة، إلى جانب عدد من الخناجر القديمة المعروفة في المنطقة باسم “الجنبيّة”، وبنادق الصيد، وبعض المصنوعات الجلدية القديمة مثل “المِيزَبْ” وهي أداة تستعمل لحمل الطفل الرضيع، و”المسْبَتْ” وهو حزام يحيط بالخصر، و”الزّمَاَلة” وهي حاوية كبيرة تستعمل لحفظ الأشياء الخاصة.

ويضم متحف آل منصور العديد من الأركان التراثية مثل ركن الحلي التي كانت تشكل الغالبية العظمى من زينة المرأة في نجران، فمنها ما يوضع حول العنق على شكل قلائد مثل “اللبّة” و”اللاَزَمْ” و”الصِمْط”، ومنها ما هو في الأيدي مثل “الحَدَاود” و”المْطَال” وخواتم الفضة المشغولة، إضافة إلى الملابس الرجالية والنسائية، والمفروشات القديمة بأنواعها وأحجامها كـ”المجرة” و”الرداعة” و”الهدرّ” و”البساط” و”الساحة”.

كما أكد حسين محمد الفقير وهو صاحب محل لبيع الأدوات التراثية أن محله يرتاده الكبار والصغار على حد سواء الذين يهتمون بالاطلاع على أكثر من 3000 قطعة تراثية عرفت في منطقة نجران ويصل ثمن بعضها إلى 5000 ريال، مبينا أن المتحف عبارة عن مدرسة مرئية يدرس من خلالها الزائر أو الباحث معنى التراث وتنوعه في مختلف مناطق المملكة.

وبيّن عبدالله المكرمي وهو أحد الشباب الذين يرتادون هذه المحال أن الماضي امتداد لنا ويجب علينا التمسك به، وأن جميع تلك الأدوات المستخدمة في الماضي لها وقع جميل في النفس عندما يشاهدها الصغير والكبير، وأنه يحرص، كل ما سنحت له فرصة، على اقتناء شيء من التراثيات النجرانية ليزين بها بيته ويقدمها في أحيان أخرى كهدايا لبعض أصدقائه من داخل المنطقة ومن خارجها.

ونوه أصحاب المتاحف النجرانية بجهود الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني الحثيثة لحفظ موروث أهالي المنطقة وجمعه وصيانته، في حين أوضح مدير فرع الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني بمنطقة نجران صالح آل مريح أن دور الهيئة هو الإشراف على المتاحف الخاصة، ومتابعتها والاهتمام بها، لتكون واجهة حضارية ومشرقة لمنطقة نجران نظرا لأهميتها في حفظ التراث الوطني.

12