المتاحف الطبيعية في مصر خط دفاع من التضرر البيئي

الحكومة المصرية تعدّ مشروع قانون أكثر صرامة لمنع الاتجار غير المشروع في الحياة البرية، وذلك بالتزامن مع العمل على الإكثار من الأنواع المهددة بالإنقراض لإعادة بعثها من جديد في بيئتها الطبيعية.

السبت 2019/09/07
تنوع بيولوجي يخشى العالم فناءه

أعادت مصر اكتشاف المتاحف الحيوانية والطبيعية المحلية بعد أن ظلت مهملة لفترة طويلة ووضعتها على خارطة التطوير والتأهيل، مع اقتناع متأخر بإمكانية أن تلعب دورا في التوجيه بأهمية التوازن البيئي المختل، وتعزيز إيرادات السياحة الداخلية، ومواكبة موجة اهتمام عالمي بآثار التغير المناخي.

 تحظى متاحف التاريخ الطبيعي باهتمام في مصر حاليا مع سعيها لتقديم نفسها كخط دفاع عن تضرر أفريقيا من آثار الانبعاث الحراري، وسعيها إلى خلق وعي محلي بمخاطر اختلال التوازن البيئي الذي كان سببا في انقراض حيوانات محلية نادرة وبروز ظواهر محلية مستحدثة، آخرها زحف أفاع سامة إلى مناطق غير معتادة، ومهاجمتها أحياء سكنية راقية.

افتتحت وزارة الزراعة التي تخضع متاحف الحيوان لإدارتها أخيرا، متحف الإسكندرية الطبيعي بعد 12 عاما من إغلاقه، مع تطوير الخدمات التي يقدمها لتشمل عروضا بانورامية مدعومة بأصوات مسجلة لمكونات الحياة البرية، يتم بثها عبر مكبرات صوت لتهيئة المناخ العام، بصورة تسمح باندماج الزائرين مع النماذج الأصلية قبل نفوقها.

وتحظى قضايا البيئة والتغير المناخي بظهور ملحوظ في الخطاب الرسمي الذي بات يشمل تعبيرات مستحدثة، مثل التزام القاهرة الأخلاقي تجاه المحافظة على سلامة الكوكب، والحفاظ على البيئة جزء من خطتها المستدامة، وتبني سياسات للتنمية النظيفة، والانخراط في جهود مكافحة مخلفات البلاستيك في المحيطات.

وطالب الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، في كلمة خلال جلسة المناخ والتنوع البيولوجي والمحيطات في قمة مجموعة السبع بفرنسا نهاية الشهر الماضي، الدول الصناعية الكبرى بتوفير تمويل مستدام للدول النامية لمواجهة الاحتباس الحراري، وأعلن عن الانضمام إلى ميثاق “ميتز” للتنوع البيولوجي.

تنوع بيولوجي

فضاء لمعايشة بيئة الحيوانات
فضاء لمعايشة بيئة الحيوانات

تعاني مصر من تدهور في التنوع البيولوجي لبعض الأنواع الحيوانية والنباتية، بسبب تدهور البيئات الطبيعية والاستغلال المفرط للموارد عبر الإنتاج والاستهلاك غير المستدام، والاستخدام الزائد للأسمدة والمبيدات وزيادة التلوث وانتشار الأنواع الغازية، وتغير المناخ الذي يسبب نوبات من الجفاف في بعض المناطق.
وتأخذ متاحف الطبيعة الزائرين في رحلة إلى الماضي السحيق، ليشاهدوا كائنات تسيدت الكون لم يبق من هيبتها سوى أحجامها الضخمة وأنيابها القاسية لأسباب ترتبط بكوارث طبيعية أو تغير المناخ في المقام الأول، وكتابا مصورا عن الافتراس وتنامي بنية المفترسات والفرائس وحتى تطورات الصيد من العصر الحجري وحتى البنادق العتيقة.

في مصر، متحفان رئيسيان متخصصان في الحيوانات أحدهما بالقاهرة والآخر بالإسكندرية، وعدة متاحف صغيرة في محافظات مختلفة تجمع بين الأغراض الترفيهية والبحثية والتاريخية في الوقت ذاته، وعانت في معظم الأوقات من الإهمال قبل أن تلتفت الحكومة لاستثمارها لخدمة السياحة الداخلية وأغدقت الأموال على تطويرها.

وتحاول الحكومة تقديم متاحف الطبيعة كمزارات أمام السياحة الداخلية والخارجية واستقدام الراغبين في معايشة انسجام المصري القديم الكامل مع عناصر الطبيعة، مثل الحيوانات والطيور، وكانت حاضرة بقوة في معتقدات الفراعنة، سواء من خلال النحت أو اللوحات الجدارية، وحظيت بمقابر خاصة أحيانا.

وتسعى أيضا لاستثمار الشعبية الطاغية لحدائق الحيوان كمتنفس طبيعي للأسر في أوقات الأعياد والإجازات أو كنزهات أسبوعية في نقل الثقافة ذاتها إلى متاحف الحفريات والمحنطات والهياكل العظمية التي تمتاز بعرضها مجموعات اندثرت من الطبيعة وتلبية نهم الصغار في التعرف على ما تحت جلود الكائنات وعبرها يمكن توجيه رسائل حول أسباب اندثار الكائنات والمخاطر الناجمة عن التلوث.

ويضم متحف التاريخ الطبيعي بالإسكندرية في معروضاته نحو 600 قطعة، موزعة بين محنطات الطيور والجوارح والتماسيح والثعابين وأسماك القرش، وبقايا عظام وقرون لمجموعة من الحيوانات البرية، بجانب العشرات من فصائل القوارض وأجنة الحيوانات الموضوعة في سوائل حفظ داخل أواني زجاجية، مع تعزيز العرض بموسيقى وأصوات المعروضات الحقيقية لخلق معايشة كاملة لبيئة الغابة، بتذكرة لا تتجاوز قيمتها 5 جنيهات (أقل من نصف دولار).

وقالت مصادر بوزارة الزراعة المصرية لـ”العرب”، إن المتاحف الطبيعية ظلت طوال عمرها تعاني الإهمال، فميزانيتها كانت جزءا من حديقة الحيوان الملحقة بها، واقتصر معظم نشاطها على استثمار الحيوانات النافقة، بدلا من دفنها قبل أن تلتفت إلى معدلات الزيارة التي تحققها الأماكن المشابهة خارجيا.

تمثل سياحة الحياة البرية نسبة تتراوح بين 20 و40 بالمئة من إجمالي صناعة السياحة العالمية التي يقدر حجمها بنحو تريليون دولار أميركي سنويّا، وتتضمن ما يقرب من 900 ألف حيوان، بمختلِف أنحاء العالم، وتسعى مصر لاقتناص جزء من كعكتها.

وكشفت المصادر أن الخطط الموضوعة حاليا تسير نحو تحويل متاحف الطبيعة إلى مؤسسات ثقافية تعليمية توفر المعلومات الصحيحة والمتنوعة عن منظومة البيئة من حيوان ونبات، بداية من التصنيف العلمي والمعيشة والبيئة المحيطة وكيفية الإيواء والسلوكيات في العالم الحقيقي.

منافسة عالمية

تجسيد للبيئة البحرية
تجسيد للبيئة البحرية

تحلم مصر بإحداث نقلة في سياحة المتاحف الطبيعية لديها، واستثمار امتلاكها كمية ضخمة من الحفريات وهياكل الحيوانات المنقرضة على أمل وضع قدم في ملعب السياحة المتحفية العلمية عالميا، وصولا إلى تجارب مشابهة بمتحفي “فيينا” و”السميثسونيان” في واشنطن اللذين يغلب عليهما التاريخ الطبيعي.

تنامي التوجه نحو الاهتمام بالسياحة البيئية والعلمية بعد اكتشاف فريق بحثي من جامعة المنصورة ديناصورا أطلقوا عليه “منصوراصورس” في أثناء رحلة استكشافية في الصحراء الغربية، ما يؤكد الارتباط القديم بين قارتي أفريقيا وأوروبا، والأعداد الكبيرة التي تجتذبها محمية وادي الحيتان في الفيوم بجنوب غرب القاهرة، وتضم عشرة هياكل كاملة لحيتان كانت تعيش في تلك المنطقة قبل نحو 40 مليون سنة.

وتشهد متاحف الحيوانات في مصر إقبالا مع ظهور سلوكيات مستحدثة لبعض الكائنات تم ربطها باختلال التوازن البيئي، فالمعلومات عن الثعابين ومعرفة أشكالها من أكثر الموضوعات بحثا، بعد الهجمات الشرسة التي شنتها على أماكن غير معتادة في عواصم المدن.

ويرتاد متحف الحيوان بالجيزة، الذي يتألف من 3 طوابق، عدد لافت من الزوار، باعتباره الأكبر من حيث المساحة والمعروضات التي تتجاوز 2365 قطعة من الثدييات والزواحف والطيور، وعرضه محنطات لحيوانات نادرة ومنقرضة مثل الغزال المصري الأبيض والنمر السيناوي وفصيلة من آكل النمل انقرضت وتم تحنيطها.

وتثير طريقة العرض بالمتحف الذي يعود تاريخ إنشائه إلى عام 1906، تساؤلات حول نظرية داروين للتطور بجمعه الهياكل العظمية للبشر والشمبانزي وإنسان الغابة داخل مكان واحد، ليتمكن الباحثون من التفكير العميق والمقارنة بين أحجام الرؤوس وتطور عظام الفك، وفتح نقاش حول الارتباط الجيني بين البشر والقرود العليا.

تأخذ الكثير من المعروضات وضعيتها الهجومية في الطبيعة لتظهر نوعا من التنوع البيولوجي الذي يفترض توافره في بيئته الطبيعية بتباين الكائنات العضوية الحية التي تعيش مع بعضها في النظام الأيكولوجي. فأفواه الأفاعي مفتوحة وأنياب المفترسات بارزة تنتظر الهجوم، لكن لا يزال العرض خاليا من المعلومات التفصيلية عن البيئة الأصلية للحيوانات وتاريخ تحنيطها ومدى ندرته في الطبيعة والعوامل المرجحة للانقراض.

وتمثل مجموعة الفراشات الملونة المعروضة بمتحف الجيزة تأكيدا على المخاطر التي تواجهها في العالم مع انخفاض أعدادها بقرابة الـ30 بالمئة وتعرض بعضها للانقراض، في رسالة على أن الهدوء النفسي والراحة اللذين توفرهما بين كمية الأنياب والقرون الغليظة التي يكتظ بها المتحف مهددان ويحتاجان إلى وعي في التعامل مع  المبيدات.

تناقص مستمر

تجسيد للبيئة البحرية
تجسيد للبيئة البحرية

تحاول المتاحف الطبيعية ربط التناقص الحاد في بعض السلالات الحيوانية بالسلوك البشري، عبر الاهتمام بعرض تطورات أدوات الصيد بداية من الأدوات الحجرية والحراب والنصال المعدنية، وحتى مجموعة نادرة من البنادق والمسدسات، كان يتم تصنيعها خصيصا لفاروق الأول، آخر ملوك مصر، بغرض صيد الحيوانات البرية والطيور الجارحة.

ولا تخلو من التذكير بالمكانة التي تمتعت بها الحيوانات في فن التحنيط المصري القديم، والمطالبة بتكرار السلوك ذاته، فمتحف الجيزة يعرض في مكان بارز تمساحا محنطا يرجع تاريخه إلى 7 آلاف سنة مع الإشارة إلى تقديسه من قبل القدماء كمعبود يحمل الاسم “الإله سوبك”.

وتعد الحكومة المصرية مشروع قانون أكثر صرامة لمنع الاتجار غير المشروع في الحياة البرية مع وضع برامج إكثار للأنواع المهددة بالانقراض، وإعادة إطلاقها في بيئتها الطبيعية، وبرامج التوعية والتثقيف البيئي للمجتمع، لتوضيح أهمية البيئة وكيفية الحفاظ عليها.

وأكد أيمن حمادة، مدير عام تنوع الأنواع والأجناس بقطاع حماية الطبيعة بوزارة البيئة، أن مصر تبذل جهودا كبيرة للحفاظ على التنوع البيولوجي وقامت بتسجيل أكثر من 22 ألف نوع من النبات والحيوان منها 143 متوطنة ذات أهمية عالمية و103 منها مهددة بالانقراض.

وتضم مصر 110 أنواع من الثدييات، بينها سبعة أنواع متوطنة مثل قط المستنقعات والكبش الأروى، و13 نوعا من الحيتان والدلافين وأكثر من 500 نوع من الطيور و109 أنواع من الزواحف والبرمائيات أكثرها عرضة للانقراض السلحفاة المصرية والتمساح النيلي، والأنواع التي تنفق منها يكون مصيرها المتاحف.

عدد لافت من الزوار يرتاد متحف الحيوانات بالجيزة باعتباره الأكبر من حيث الحيونات والزواحف والطيور.
عدد لافت من الزوار يرتاد متحف الحيوانات بالجيزة باعتباره الأكبر من حيث الحيونات والزواحف والطيور

وأضاف حمادة لـ”العرب” أن أبرز آثار التغيرات المناخية التي عانت منها مصر كانت فقدان ألوان الشعب المرجانية في البحر الأحمر عام 2007 لأول مرة، وتقلص انتشار العديد من النباتات الطبية فى جبل سانت كاترين وفراشة سيناء الزرقاء التي تعتبر الأصغر في العالم.

وتملك مصر ما يؤهلها لإنشاء مؤسسة ضخمة معنية بالتاريخ الطبيعي تضم الملايين من القطع، لكن عقبات بيروقراطية تقف في الطريق، مع وجود الكثير من المتاحف الصغيرة بها قطع نادرة وتخضع لولايات إدارية مختلفة. فالمتحف الجيولوجي الخاضع لوزارة البترول يحتوي بجانب الصخور والطبقات الجيولوجية على تشكيلة من جماجم الحيوانات المنقرضة وهيكل لديناصور عملاق ومجموعة كبيرة من الحفريات.

وتضم الجيزة المتاخمة للقاهرة، المتحف الزراعي الذي يخضع لإدارة وزارة الزراعة ويعرض محنطات نادرة لغزلان وتأريخا للحياة القروية، لكنه يعاني إهمالا أفضى إلى تعرضه للسرقة أكثر من مرة، ليفقد 6 قطع أثرية، و3 قرون من هياكل خاصة لحيوان “وحيد القرن” ولم يتم العثور عليها، ويرجح بيعها في ظل الطلب العالمي في السوق السوداء.

ويوجد أيضا متحف كامل للتماسيح في أسوان بجنوب مصر، هو الأول من نوعه، ويخضع لولاية وزارة الآثار، ويعرض 22 تمساحا من مختلف الأعمار والأحجام وثمانية أخرى محفوظة في توابيت ولفائف دفن، بجانب متحف للحيتان يتبع وزارة البيئة ويؤرخ لتأثيرات تغير المناخ من خلال الحفريات التي تم اكتشافها بالمحافظة ومتخصص في جذب السياح المعنيين بالبيئة.

وتتعلق الرؤية الجديدة للتوعية البيئية بتحويل المتاحف والمحميات لإرضاء جميع الأطياف بما فيها الأسرة المصرية والطلاب والهواة والعاملين في مجال البيئة والحيوان من المتخصصين والباحثين والسائحين، في إطار دور يتعلق بتنمية الوعي بالحفاظ على الحياة البرية بشكل عام.

وأشار بكر محمد، مدير محمية وادي دجلة، لـ”العرب”، إلى أن الجهود الجديدة تساهم في زيادة الوعي البيئي الذي يظهر في متاحف الحيوان، وأعداد المهتمين بزيارة المحميات. فالمحمية التي يديرها على سبيل المثال شهدت رقما قياسيا في معدل الزائرين بنحو 125 ألف شخص خلال عام واحد، التزموا جميعا باشتراطات الزيارة وأهمها “لا تأخذ أشياء معك.. ولا تترك أشياء خلفك”.

وتحوي متاحف الطبيعة معروضات غريبة تحمل رسائل غير مباشرة من بينها مجموعة من الأقفال القديمة التي استخدمت في غلق أبواب وأقفاص حدائق الحيوان المحلية على مدار عمرها الذي يتجاوز القرن، وربما تشير إلى حاجة العقول والتفتح والالتفات إلى أن سلوكيات البشر البيئية تهدد مصيرهم.

17