المتاعب المالية تحاصر قرى الأطفال فاقدي السند بتونس

المشرفون على الجمعية التونسية لقرى الأطفال يؤكدون أن أغلب الأطفال يعرفون عائلاتهم الطبيعية ويتواصلون معها.
السبت 2019/06/08
الإنقاذ أو الضياع في الشوارع للتشرد

يتواصل الجدل في تونس حول وضع قرى الأطفال المعروفة باسم قرى “أس.أو.أس” وهي مؤسسات أنشأتها جمعية أهلية لرعاية الأطفال فاقدي السند العائلي، وذلك بعد صيحة فزع أطلقها القائمون على الجمعية التونسية لقرى الأطفال حول التهديدات المتربصة بهذه المؤسسات في ظل المتاعب المالية التي تعيشها بعد تقلص دعم المنظمة الدولية الأم التي كانت تمولها بالكامل.

على بعد أكثر من 20 كيلومترا بقليل من وسط العاصمة تونس تقع قرية الأطفال قمرت في الضاحية الشمالية لتونس التي تستقبل زوارها بأبواب مفتوحة تلمح إلى رحابة صدر في استقبال كل من يقصدها من أطفال فاقدين للسند العائلي مثل الطفلة دنيا ذات الثلاث سنوات أو متطوعين يرغبون في مد يد العون كآمنة (اسم مستعار) التي اختارت أن تكون كفيلة دنيا فقدمت لزيارتها حاملة معها ملابس العيد مغلفة بحنان الأم الذي فقدته الطفلة باكرا والكثير من المشاعر الإنسانية.

كانت آمنة تلاعب دنيا وتجري معها أحاديث قصيرة لطيفة وتسألها عن رغباتها وعن أخيها مع الكثير من الابتسام وغيره من علامات الفرح والسعادة فيما الطفلة ترد بابتسامات عريضة ونظرات بريئة مع الكثير من الكلمات والجمل غير المفهومة تماما.

تحاول آمنة أن تلقن الطفلة أغنية للأطفال بالفرنسية معروضة على موقع يوتيوب، تنتبه دنيا للألوان والموسيقى في الفيديو وتحاول مجاراة الأغنية ثم تنصرف إلى ألعابها والحديث مع الطفل علاء  (حوالي 7 سنوات) والجالس بالقرب منها على منضدة صغيرة محاولا ترجمة حديثها ورغباتها كما يفعل الأخ الأكبر سنا المسؤول عن أخته والذي يقدم لها الرعاية التي تحتاجها وهي بدورها تبادله العاطفة التي عبرت عنها بتقديم قطعة سكاكر له.

تقول آمنة بنبرة الأم العارفة بشخصية ابنتها “لقد تعودت دنيا أن تتقاسم مع إخوتها ما تحصل عليه من السكاكر، هي طيبة القلب وكريمة”. انتبهت دنيا إلى أنه تبقى لديها آخر قطعة شكلاطة فتفضل أن تأكلها وحدها ووضعتها في فمها بطريقة أضحكت آمنة التي قالت “إلا الشكلاطة لا تقبل دنيا أن تتشاطرها مع أي كان”.

من حقهم الحصول على هدايا ككل الأطفال
من حقهم الحصول على هدايا ككل الأطفال

العلاقة بين علاء ودنيا ليست سوى نموذج من العلاقات التي تجمع الأطفال الذين لم يعرفوا منازل غير تلك التي تحتويها أسوار قرية الأطفال بقمرت ولم يعيشوا في كنف عائلات طبيعية بل وجدوا بديلا عنها هنا.

قرية الأطفال بقمرت كانت أول مشاريع الجمعية التونسية لقرى الأطفال “أس.أو.أس″، وهي جمعية غير حكومية تأسست في عام 1981 بدعم من الفيدرالية الدولية لقرى الأطفال”أس.أو.أس″، وقد افتتحت رسميا في العام 1984 ليتم بعد ذلك تأسيس قرية أخرى للأطفال في سليانة الواقعة في شمال غربي البلاد وبعدها بسنوات قرية المحرص التابعة لولاية صفاقس بالجنوب الشرقي لتونس وأخيرا قرية أكودة التابعة لولاية سوسة بالوسط الشرقي للبلاد.

في البداية كانت هذه القرى تعمل بمثابة دور رعاية الأطفال الأيتام، لكن مع التغيرات الاجتماعية أصبح أغلب المستفيدين من الأطفال فاقدي السند العائلي أو من تعجز أسرهم عن رعايتهم لظروف معينة، إذ يؤكد المشرفون على الجمعية التونسية لقرى الأطفال أن أغلب الأطفال يعرفون عائلاتهم الطبيعية ويتواصلون معها.

متاعب مالية

هل تسعفهم الدولة؟
هل تسعفهم الدولة؟

منذ أيام، أثارت وضعية قرى الأطفال جدلا في تونس، وحركت أخبار حول عجز الجمعية عن توفير التمويلات اللازمة لاستمرار خدماتها الرأي العام ما دفع الكثيرين وأولهم جمعية قرى الأطفال لالتماس دعم الدولة لتفادي السيناريو السيء الذي قد يصل حد التقليص من عدد الأطفال المقيمين في هذه القرى أو إغلاق القرى في أسوء الحالات وهي فرضية قد يلقي تحققها بحوالي 1400 طفل في غياهب المصير المجهول.

وتعهدت الحكومة بتوفير جزء من التمويلات. كما تمت الاستجابة لدعوات مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي بالتبرع لفائدة الجمعية عن طريق الإرساليات القصيرة. وكان مفتي البلاد قد أفتى بجواز دفع زكاة عيد الفطر هذا العام لفائدة قرى الأطفال في تفاعل واضح مع النقاش الواسع حول أزمة هذه القرى. وبدورها أعلنت مكونات من المجتمع المدني وهيئات خاصة وحكومية عن مبادرات عديدة ومختلفة لجمع تبرعات لفائدة قرى الأطفال.

وأوضح فتحي معاوي مدير جمعية قرى الأطفال بتونس، لـ”العرب”، أن مشكلة التمويل “بدأت عندما قررت المنظمة العالمية لقرى الأطفال التي كانت تمولنا بنسبة 100 بالمئة أن تقلص دعمها إلى حدود 40 بالمئة فقط من ميزانية الجمعية” فالمنظمة في حد ذاتها تعاني متاعب مالية.

وتأمل الجمعية في أن تتكفل الحكومة بدفع رواتب العاملين في الجمعية، إذ تقدر أن ذلك سيكون كافيا بالإضافة إلى التبرعات التي تحصل عليها للحفاظ على توازن الميزانة التي تقترب من الخطوط الحمراء.

وإذا لم تجمع التمويلات الكافية فإن ذلك يهدد احتياجات الأطفال الذين تتم رعايتهم في هذه المؤسسات، ما دفع رئيس الجمعية لدعوة كل مكونات المجتمع التونسي للتكاتف قائلا “هؤلاء أبناء تونس ليس لديهم ذنب في الطريقة التي جاؤوا بها إلى الدنيا أو الظروف التي وجدوا أنفسهم فيها”.

وتقدر ميزانية الجمعية حاليا بحوالي 4 ملايين دينار و870 ألفا  (1.63 مليون دولار) وهي مخصصة لتغطية حاجيات الأطفال اليومية ومصاريف الجمعية. ويقول معاوي “تبدو الميزانية كبيرة لكنها بالكاد تغطي أدنى الحاجيات والتكاليف”.

وبنيت هذه الميزانية على أساس مبلغ يومي يبلغ 2800 (0.94 دولار) لكل طفل وهو مبلغ مخصص للأكل، حيث يعتبر معاوي أن “هذا شيء غير معقول” لأن هذا المبلغ لا يكفي ثلاث وجبات يوميا بالنظر إلى ارتفاع الأسعار في تونس وغلاء المعيشة مفصحا “أنا أخجل من تقديم هذا المبلغ الضئيل للأطفال”. وبالنسبة للملابس تخصص الجمعية مبلغا قدره 240 دينارا (80.44 دولارا) سنويا لكل طفل.

وبالإضافة إلى صيحة الفزع التي أطلقت لتعبئة موارد مالية تكفي احتياجات الأطفال التمست الجمعية تمويلات لدعم مواردها البشرية واللوجستية أو لصيانة قرى الأطفال التي تعاني اهتراء في بنيتها التحتية خاصة قرية سليانة.

وراسلت الجمعية وزارة الشؤون الاجتماعية من أجل التماس عونها. وقالت مريم حسن المسؤولية عن قسم الاتصال في وزارة الشؤون الاجتماعية لـ”العرب””إن جمعية قرى الأطفال تنتفع بمنحة من الوزارة على غرار غيرها من الجمعيات التونسية”.

وأكدت أن الوزارة تدرس ملف الجمعية وهي ستحل مشكلتها بنفس الطريقة التي حلت بها أزمة قرية الأطفال بسليانة في العام الماضي.

وكانت الأزمة المالية التي عاشتها قرية الأطفال بسليانة في العام الماضي قد استفزت الرأي العام في الجهة، خاصة عندما أعلن القائمون عليها أن إغلاق القرية بسبب المتاعب المالية أصبح احتمالا واردا جدا، ما أسفر عن خروج احتجاجات.

وقالت مصادر مقربة من السلطات المحلية في سليانة، لـ”العرب”، طلبت عدم الكشف عن هويتها، “الأهالي لم يقبلوا أن يجد العديد من الأطفال أنفسهم في الشارع في حال تم إغلاق القرية”.

وأقرت الحكومة العام الماضي عدم إغلاق قرية الأطفال بسليانة واتخاذ الإجراءات اللازمة في سبيل ذلك.

وتم إطلاق حملة جمع تبرعات لفائدة القرية، لكن المصادر كشفت أن “الهبة الشعبية أثارت الكثيرين من أبناء سليانة فقدموا وعودهم بتقديم تبرعات لكن كل ذلك انتهى بمجرد أن هدأت الأوضاع وانتهت الاحتجاجات”.

تحدث معاوي بفخر عن أبناء قرى الأطفال، وفي جملة جمعت في آن واحد رضا المسؤول وعاطفة الأب قال “نتائج أبنائنا الدراسية جيدة ونحن نطمح إلى مزيد تحسينها”، موضحا أن العام الماضي نجح في امتحان الباكالوريا (الثانوية العامة) التلاميذ الستة الذين اجتازوه من أبناء القرية متمنيا المثل لتسعة آخرين سيجتازون الامتحان هذا العام.

وأنهى رئيس الجمعية حديثه بالإجابة على سؤال حول صور معروضة أسفل طبقة بلورية تغطي مكتبه فبدأ باستحضار مناسبة كل صورة جمعته بالأطفال مع ابتسامة عريضة استجمع فيها تاريخ 20 سنة من عمله في الجمعية التونسية لقرى الأطفال “أس.أو.أس″.

أجواء العيد

طفولتهم مهددة
طفولتهم مهددة

تحرص الجمعية التونسية لقرى الأطفال على توفير أجواء عيد طبيعية للأطفال الذين ترعاهم فيحصل كل منهم على ملابس وألعاب جديدة أسوة بأي طفل في أي أسرة طبيعية، وهي متأتية بالأساس من المساعدات المختلفة للمتبرعين للجمعية أو لقرى بعينها ولذلك طرق مختلفة.

وبيّن كريم بن معيز مدير قرية الأطفال بقمرت بالعاصمة التونسية، لـ”العرب”، أنه يتم تقديم الملابس للأطفال قبل يوم من العيد فيما يحصل الأطفال الذين يقضون العيد مع عائلاتهم على ملابسهم وهداياهم مباشرة قبل مغادرتهم.

وتحصل الجمعية على التبرعات المخصصة للمناسبات المختلفة كالعيد أو العودة المدرسية عن طريق شبكة متنوعة من الكفلاء بعضهم أشخاص من أصدقاء الجمعية يختارون أن يكفلوا طفلا معينا بشراء ما يحتاجه من ملابس وتوفير باقي تكاليف مصاريفه أو جزء منها.

يقول بن معيز “في الماضي كانت علاقات الكفلاء بالأطفال وطيدة أكثر لكن لاحظنا أن ذلك رافقته مشكلات عديدة لذلك قررنا إدخال تعديلات في هذا السياق من خلال اشتراط قدوم الكفيل لرؤية الطفل الذي يكفله في الأعياد وبعض المناسبات فقط”.

ويختار آخرون كفالة من نوع مختلف مع إمكانية إخفاء الهوية، مع التزام معنوي مع القرية أو الجمعية حيث يحدد الكفيل قيمة المساعدة وتفاصيلها، مثلما تشير إلى ذلك لافتة معلقة بجانب باب أحد منازل القرية تبين أنه مكفول من قبل أحد البنوك التونسية.

وتحدد إدارة القرية قيمة المساعدة التي لا يجب أن تقل عن 30 دينارا شهريا (حوالي 10 دولارات) على أساس دينار في اليوم (0.33 دولار) لكل طفل.

في إطار البحث عن مصادر للتمويلات الذاتية اقترحت الجمعية العالمية لقرى الأطفال إنشاء مشاريع استثمارية في كل قرية من قرى الأطفال في تونس لتوفر موارد جديدة وثابتة للميزانية

قرية قمرت هي القرية الوحيدة من بين باقي قرى الجمعية التي لا تزال بها روضة أطفال، تستقبل 9 أطفال من أبناء القرية والبقية من خارج القرية، فيما تخلت بقية القرى عن هذا المرفق لأسباب مادية ولوجستية.

ويضم طاقم القرية وظيفة استثنائية تشغلها “الأم” التي يتم اختيارها لتقيم مع ما بين 6 و8 أطفال في منزل واحد وتعويض ما فقدوه من دفء عائلي. ويقع اختيارها وفق معايير من بينها السن الذي يجب أن يتراوح بين 35 و45 سنة كما لا بد ألا يقل مستواها التعليمي عن السنة الأخيرة قبل الثانوية العامة، وفي حال استيفاء الشروط في إحدى المرشحات للوظيفة تبدأ فترة تدريب تشمل كل جوانب التعامل مع الطفل نفسيا وماديا وبعد الانتداب الرسمي تبدأ وظيفتها في رتبة “خالة” في مرحلة أولى.

ووفق بن معيز، الجيل الجديد مختلف عن الجيل السابق الذي كان أكثر التزاما. الأم منيرة، البالغة من العمر 57 سنة، مثال حي لذلك فهي تعمل في القرية منذ حوالي 30 عاما ولم يشب التزامها أي شائبة ولم يقل لديها شغف الاهتمام بشؤون الأطفال.

يعيشون كعائلة
يعيشون كعائلة

قالت منيرة “كنت أشاهد التلفزيون عندما عرضوا برنامجا عن قرى الأطفال أحسست حينها أن شيئا ما يربطني بهؤلاء الأطفال وبالمكان”.

وأضافت “عندما تقدمت للوظيفة رفضوني في البداية بسبب صغر سني كنت حينها في الرابعة والشعرين من العمر”، لكن أمام إصراري وشغفي تم قبولي حيث قال المدير آنذاك “أنا أراهن على هاته الفتاة وها أنا هنا من وقتها”.

استقبلتنا منيرة داخل منزلها بالقرية. كل شيء هنا يبدو عاديا لا فرق بين هذا المنزل المكون من عدد من غرف النوم ومطبخ وحمام وغرفة كبيرة مقسومة بين قاعة الجلوس وقاعة الأكل، وبين أي منزل عادي آخر.

كان ابن منيرة البالغ من العمر 4 سنوات يبكي عند وصولنا، وعند سؤالنا عن السبب أخبرتنا أن السبب هو اعتقاده بأنها ستغادر المنزل دون أن تصحبه معها ولم يهدأ إلا عندما حصل على التطمينات التي أقنعته. كان الطفل محمد لا يترك جانب والدته يختبئ أحيانا وراءها عندما يلحظ أن هناك من يراقبه.

ويقول بن معيز “في السابق كنا نمنع زواج الأم في القرية وحاليا أصبحت الشروط أقل تشددا حيث سمحنا بذلك من بين تعديلات أخرى لشروط الوظيفة”.

وفي مرحلة ما من حياتها قررت منيرة الارتباط وتزوجت لكن لم يدم الأمر طويلا فتطلقت، عن ذلك تحدثت قائلة “لم يكن ممكنا الاستمرار في زواجي بالنظر إلى ظروفي. أبنائي كانوا يبكون دائما فلم أتحمل ذلك واخترت الطلاق والعودة للعيش معهم”.

وأشارت منيرة إلى مجموعة صور مجمعة في إطار كبير في إحدى زوايا قاعة الجلوس لتقول “هؤلاء أبنائي. منهم من تزوج وأنجب الأطفال. هذه صور حفلات زفافهم وصورهم مع أبنائهم”.

وأكدت أن أبناءها الذين غادروا المنزل “لم ينقطعوا عن زيارتي وأنا أيضا أذهب لزيارتهم وأبدي ملاحظاتي حول حالة البيت غير المرتب في البعض من الأحيان بالنسبة لمن يقيمون بمفردهم”.

أصعب الأوقات التي تمر على منيرة عندما يحين موعد إجازتها الشهرية حينها يبدأ الأطفال بالبكاء ولا يرغبون بتركها تغادر وهي بدورها تشعر بالحزن لتركهم رغم أن منزل عائلتها في نفس المنطقة التي تقع فيها القرية، وللتخفيف عنهم تضطر لاستقبالهم وملاقاتهم حتى في أيام إجازتها.

مرافق تنتظر التمويلات

بحاجة إلى رعاية
بحاجة إلى رعاية

تبدو قرية الأطفال “أس.أو.أس″ قمرت متكاملة المكونات فتوجد بها العديد من المرافق لضمان تنوع الأنشطة للأطفال منها قاعة مطالعة وإنترنت وفضاء بالحديقة مخصص للألعاب ونادي موسيقى، كما تطمح الإدارة لإضافة نادي تيكواندو وتهيئة ملعب كرة القدم وهي تبحث عن التمويلات اللازمة لذلك.

وفي إطار البحث عن مصادر التمويلات الذاتية، اقترحت الجمعية العالمية لقرى الأطفال إنشاء مشاريع استثمارية في كل قرى الأطفال في تونس لتوفر موارد جديدة وثابتة للميزانية. في قرية قمرت أرانا مدير القرية مكانا يعتبر امتدادا للحديقة مخصصا لإقامة المشروع المنتظر.

قرية الأطفال “أس.أو.أس″ سليانة بدورها تحصلت على قطعة أرض في وسط المدينة وهبتها لها الدولة ستشيد عليها مشروعها الاستثماري الخاص، حيث قالت مصادرنا إنه من المقرر أن يكون ملعبا صغيرا لكرة القدم يتم استغلاله عبر تأجيره.

الإطار المشرف على الأطفال يتكون أيضا من مربي قرية دورهم الإشراف على دراسة الأطفال ومتابعتها مع المعلمين والأساتذة ومتابعة نتائجهم، إلى جانب مربي إدماج وهؤلاء يتابعون الأطفال في فترة المراهقة والشباب ويعدوهم نفسيا للخروج إلى المجتمع.

ويوضح مربي الإدماج خالد الجندوبي أنه يعمل مع من تفوق أعمارهم 18 سنة، وهي فئة تخرج من المنازل لتقيم في سكن جماعي يتبع الجمعية وتحت إشرافها. وحين يبلغ هؤلاء 20 عاما يستقلون بأنفسهم ليقيموا في شقق خاصة يدفعون إجارها من منح تقدمها لهم الجمعية وتغطي إلى جانب ذلك حاجياتهم اليومية.

وقال الجندوبي “مهمتي تتمثل في إعداد أبناء قرية الأطفال على الاندماج في المجتمع وكيف يسيرون شؤون حياتهم اليومية ويجابهون صعوبات الحياة بدءا بمشكلات الدراسة أو البحث عن فرصة عمل”.

وأفاد الجندوبي أن الأطفال تكون حياتهم أسهل داخل القرية عندما يضطرون إلى الاتصال بالمجتمع في المدرسة أو المعهد الثانوي وتبدأ فترة الاضطرابات فيواجه الأطفال الصعوبات خاصة أن هذه الفترة تتزامن في مرحلة ما مع فترة المراهقة بكل اضطراباتها.

هاني الشاب البالغ من العمر 22 سنة واحد من الذين يشرف عليهم مربي الإدماج خالد الجندوبي، بدأ فترة تدريب كسائق حافلة في وكالة أسفار بعد أن أنهى دراسة متخصصة في اللوجستيك. قال هاني لـ”العرب” “الآن بدأت فترة البحث عن عمل. يجب أن أجد عملا في أقرب وقت ممكن. اجتزت الاختبار الكتابي في إحدى مناظرات (امتحانات قبول في الوظيفة في القطاع العام) قوات الأمن الداخلي وأنتظر إتمام بقية الاختبارات”.

الدعم الحكومي ضرورة تجنب الوقوع في مأزق إغلاق قرى الأطفال وتشريد أكثر من ألف مستفيد

وتحدث هاني عن خروجه من السكن الجماعي للقرية فقال “منذ سنتين خرجت لأسكن بمفردي وتابعت خلال هذه الفترة دراستي”. وأضاف “لم يشكل الأمر صدمة بالنسبة لي كنت أدرك أنه أمر سيحدث لا محالة لأني رأيت كافة المراحل التي يمر بها من هم أكبر مني سنا في قرية ‘أس.أو.أس′. كنت مهيأ نفسيا لذلك”.

ولا يذكر هاني متى قدم لقرية الأطفال بقمرت لأول مرة لكن المسؤولين أخبروه أنه جيء به عندما كان يبلغ من العمر ثلاث سنوات، وقال “تثبّت من ذلك أيضا عندما راجعت ملفي لدى الإدارة”.

وأكد الشاب، الذي تحدث بأسلوب من يفوق عمره خبرة ونضجا، أن الروابط التي تجمعه بقرية الأطفال قوية وهو السبب الذي يدعوه هو والكثير من زملائه من الأطفال السابقين للقرية للعودة إليها في كل مناسبة لزيارة المسؤولين والإطار التربوي.

عالم ينقذ الأطفال من الضياع
عالم ينقذ الأطفال من الضياع

وذكر أنه في شهر رمضان عادة ما يجتمع مع غيره من الشباب الذين غادروا القرية ويسكنون بمفردهم حاليا، داخل القرية، لتناول طعام الإفطار معا في القرية قائلا “يساهم جميعنا في تكلفة الأغراض اللازمة لوجبة الفطور ويتكفل بإعدادها صديق لنا يعمل طاهيا”.

لكن قسوة الحياة لم تأب إلا أن تترك شيئا من أثرها على هاني، رغم مكابدته لإخفاء ذلك، عندما قال “هناك دائما تلك النظرة التي يرمقك بها الناس عندما يعلمون أنك أحد أطفال قرية ‘أس.أو.أس′”.

ولا يرى هاني داعيا من القول لجميع معارفه إنه نشأ في قرية للأطفال، إذ يرى الأمر غير ضروري “الكثير من أصدقائي لا يعرفون من أنا أو أين أقيم أو ما هي ظروفي”، وتابع “في المدرسة أو المعهد الثانوي مثلا كان المعلمون والأساتذة فقط من يعلمون بأمري لكن زملائي لم تكن لديهم أي فكرة عن وضعي”.

وتوفر الجمعية التونسية لقرى الأطفال خدمة أخرى لمساعدة هذه الفئة من خلال برنامج دعم العائلة التي تقدم الرعاية المادية والمعنوية للطفل مع بقائه داخل عائلته الطبيعية، حيث تدعم حوالي 1061 طفلا في 380 عائلة. وفي إطار ذلك تساعد الجمعية البعض من العائلات على تأسيس مشاريع صغيرة تساعدها في تحسين وضعها الاجتماعي.

20