المتاهة السياسية تثير مخاوف انهيار الاقتصاد السوداني

تزايد الضغوط من أجل إعادة هيكلة الموازنة لمواجهة التحديات الجديدة.
الجمعة 2019/07/19
الاكتفاء بالفرجة فقط

تزايدت أعراض ركود الاقتصاد السوداني مع استمرار المخاض الانتقالي إلى مرحلة جديدة رغم توصل الأطراف المتنافسة إلى خارطة طريق للخروج من الأزمة، في ظل تعطل معظم الأنشطة الاقتصادية وتراجع الطلب في معظم القطاعات التجارية.

الخرطوم - يخشى محللون سودانيون من استمرار شلل المؤسسات الاقتصادية الحكومية وارتباك تطبيق بنود الموازنة، التي تتعالى المطالب بضرورة تعديلها للاستجابة للتحديات والأوضاع السياسية والاقتصادية الجديدة.

وتقول الكاتبة الاقتصادية سمية سيد إن موازنة العام الجاري كانت “أحد الأسباب التي أدت إلى انفجار الاحتجاجات لأنها فاقمت الأزمات، التي من بينها أزمة السيولة في الأسواق وارتفاع سعر صرف الدولار وانهيار القطاعات الإنتاجية”.

وأضافت أنها “غير واقعية وغير مواكبة للتحديات الراهنة وواقع الفراغ الدستوري الذي تعيشه البلاد، والذي يتطلب إلحاق الموازنة في إطار برامج الإنقاذ العاجلة حتى نهاية العام الحالي”.

وكان البرلمان السوداني قد أقر الموازنة في نهاية العام الماضي، وبلغ حجم الإنفاق فيها نحو 195 مليار جنيه، لكن القيمة الفعلية لذلك المبلغ انحدرت بشكل كبير بسبب تراجع سعر الجنيه وارتفاع التضخم إلى مستويات فلكية.

وتوقعت الحكومة حينها أن يصل العجز إلى ما يعادل 3.3 بالمئة من الناتج المحلي، لكن الشلل الاقتصادي يمكن أن يضاعف ذلك بسبب تعطل النشاطات الاقتصادية التي ستنعكس في تراجع إيرادات الموازنة.

وقال الأكاديمي والخبير الاقتصادي محمد الناير إن موازنة العام الجاري “لا تستطيع استيعاب حجم التغيرات السياسية والاقتصادية، التي حدثت بعد الإطاحة بنظام الرئيس السابق عمر البشير”.

وشدد على ضرورة “إعادة النظر في عدد من البنود وخاصة تحديد السعر الرسمي للجنيه عند 47 جنيها للدولار، في ظل الفجوة الواسعة مع السعر المتداول في السوق الموازية” حيث يصل إلى 67 جنيها للدولار.

وطالب الناير بزيادة دعم السلع الاستراتيجية الذي حددته الموازنة بقيمة 55 مليار جنيه (1.22 مليار دولار)، بسبب الهبوط الكبير الذي أصاب العملة السودانية، والذي يستدعي زيادة المبالغ المرصودة للدعم.

وانعكس ذلك بوضوح على النشاط الاقتصادي، حيث يقول رجل الأعمال السوداني هاشم أبوالفاضل، الذي يملك 5 مراكز تجارية إن المبيعات تراجعت بما يصل إلى 40 بالمئة بسبب الاضطرابات السياسية. وحذر من أن يؤدي استمرار الغموض إلى انهيار الاقتصاد.

ويملك أبوالفاضل مراكز تجارية لبيع المنتجات المنزلية والأثاث المكتبي في العاصمة الخرطوم باستثمارات يصل حجمها إلى مليون دولار.

ويعتمد في غالبية نشاطه على الاستيراد. وقد عمد أخيرا إلى شراء بضائع أقل سعرا أو وقف الاستثمار في البضائع غير الأساسية.

ويؤكد أبوالفاضل أن حجم الاستيراد عموما تراجع بعد أن أوقف عدد كبير من التجار الاستيراد.

وقال إنه “في ظل عدم وجود حكومة تعلن سياستها الاقتصادية أنا كمستثمر لا أستطيع اتخاذ القرار في حالة الغموض الحالية”. ويتفق معه رجل الأعمال محمد مضوي، الذي يملك شركات في قطاعي الزراعة وصناعة الورق والبلاستيك.

ويقول إنه بسبب ضعف الإقبال وتراجع قيمة الجنيه، خفضت نسبة الاستيراد ما بين 20 و30 بالمئة، مشيرا إلى أن الحركة “شبه متوقفة”.

ووفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء، فقد الجنيه نحو 70 بالمئة من قيمته منذ نهاية العام الماضي في السوق السوداء. وبلغت معدلات التضخم 47.8 بالمئة في يونيو الماضي بعد أن وصلت إلى 73 بالمئة في ديسمبر 2018.

47 جنيها للدولار سعر الصرف الرسمي في الموازنة مقارنة بنحو 67 جنيها للدولار يتم تداولها في السوق السوداء
47 جنيها للدولار سعر الصرف الرسمي في الموازنة مقارنة بنحو 67 جنيها للدولار يتم تداولها في السوق السوداء

وتقول هنادي محمد، وهي أم لسبعة أطفال بينما تتسوق في مركز أبوالفاضل في شمال الخرطوم “لا أستطيع الشراء لأنه لا توجد سيولة. ولا أعرف كم من الوقت يمكن أن نعيش هكذا؟”، فيما تتكدس أدوات منزلية على الرفوف رغم الحسومات الكبيرة.

ورغم عودة الحياة إلى طبيعتها في الخرطوم وفتح المحال التجارية أبوابها مجددا، يلاحظ تراجع الإقبال وضعف حركة البيع والشراء في الأسواق.

ويقول عماد بابكر، وهو ربّ عائلة، فيما يدفع بعربة تسوق خاوية أمامه، “الأسعار تضاعفت ثلاث مرات منذ نهاية 2018. نذهب فقط للمحال التي تعلن عن حسومات، لكنّ قدرتنا الشرائية ضعيفة جدا”.

واندلعت التظاهرات أساسا في السودان احتجاجا على رفع أسعار الخبز ثلاثة أضعاف، قبل أن تتحول سريعا إلى حركة احتجاج ضد البشير.

ويقول الصحافي الاقتصادي البارز خالد التيجاني إنّ الحركة التجارية تعمل في الحد الأدنى أساسا منذ يناير الماضي.

وأشار إلى أن هناك قطاعات لا تزال تعمل مثل الكهرباء والوقود والمواد الغذائية، لكن لو استمر الوضع الحالي حتى هذه الأشياء لن تكون موجودة.

وينقطع التيار الكهربائي بشكل متكرر ولساعات طويلة منذ بداية العام الجاري. ويتابع التيجاني “يعاني الاقتصاد من حالة عدم يقين بسبب عدم وجود سلطة تهتم بالاقتصاد”.

وسيواصل الجيش وقادة الاحتجاج التفاوض بهدف الاتفاق على وثيقة تشكل الإطار الدستوري وهي تتضمن مسائل خلافية عدة، ما يعني تواصل حالة الغموض على المدى القصير.

وأنهكت العقوبات الأميركية، التي فرضت على الخرطوم منذ 1997 قبل تخفيفعا في أكتوبر 2017 الاقتصاد المتداعي أساسا.

ويقول أبوالفاضل إنه رغم الثورة والضغوط، فالوضع الاقتصادي ليس أسوأ مما كان قبل سقوط البشير. لكن إذا استمرت حالة الترقب والغموض فالاقتصاد سينهار.

ويعبر مضوي من جهته عن خشيته من انهيار الجنيه وتضاعف التضخم إذا استمر الجمود الحالي. ولا يعرف على وجه التحديد حجم احتياطي النقد الأجنبي الحالي في السودان، لكن تقديرات صندوق النقد الدولي تشير إلى أنه كان عند مليار دولار في مارس الماضي.

ويستنزف الاقتصاد السوداني المعتمد على الاستيراد والذي يعاني عجزا في الميزان التجاري منذ سنين، هذا الاحتياطي. وتراكمت الديون الخارجية إلى أكثر من 55 مليار دولار.

وأعلنت السعودية والإمارات في أبريل تقديم حزمة مساعدات للخرطوم، قدرها 3 مليارات دولار تشمل 500 مليون دولار كوديعة في المصرف المركزي لتقوية مركزه المالي، على أن يصرف باقي المبلغ في صورة أغذية وأدوية ومشتقات نفطية.

وتشكل الزراعة محركا رئيسيا في اقتصاد البلد ومصدرا رئيسيا لدخل غالبية سكانه البالغ عددهم نحو 40 مليونا. وألقت الأزمة الحالية بظلالها على القطاع، إذ تعذر استيراد المواد الزراعية من أسمدة ومبيدات.

وأرسلت السعودية والإمارات الأحد الماضي، أكثر من 50 ألف طن من المغذيات الزراعية واحتياجات المزارعين لإنقاذ الموسم الزراعي بالسودان، بحسب وكالة الأنباء السعودية.

وقال فيصل محمد، وهو مستورد للمواد الزراعية، إن “حجم كل الواردات انخفض لعدم توافر العملات الأجنبية. وإذا توفرت نصطدم بانخفاض قيمة الجنيه وبالتالي ارتفاع سعر المنتجات وإحجام المشترين، وهو ما يؤثر سلبا على العملية الزراعية.

11