"المتاهة" رواية كتبت منذ أربعين عاما عن حلب اليوم

هناك من الكتابات السردية سواء القصصي منها أو ما يندرج ضمن جنس الرواية ما تمتلك قدرة عجيبة على اجتياز الزمن رغم مرور سنوات وعقود على كتابتها، نجدها كلما قرأناها وكأنها كتبت اليوم لشدة تعبيرها عن هواجسنا.
السبت 2016/08/06
الرواية تؤكد على أن للإرادة روحا لا تموت

في روايتها الأخيرة “المتاهة” حاولت الكاتبة فاطمة النداف أن تسبر أغوار الروح التائهة بتعقيداتها، وسلبياتها، وضيق أفقها، تلك التي كلما تعلقت بأمل، خذلها الواقع، لكن الرواية تؤكد على أن للإرادة روحا لا تموت، حيث أن لهذه الرواية قصة طريفة مع كاتبتها.

كتبت الرواية عام 1976 في مدينة طرابلس الليبية بخط يد الكاتبة، وفي مطار طرابلس انتزعتها شرطية من حقيبة الكاتبة ورمتها في سلة المهملات، لتعيد النداف كتابة روايتها من جديد في بغداد رغم خذلان الناشرين والنقاد لها، فبقيت الرواية بخط يديها مركونة بمكتبتها وفي معمعة الحرب وطاحونها احترقت مع ما احترق من تراثها وكتاباتها وكتبها، لتجد أخيرا نسختها اليتيمة عند أختها التي نسختها في ما مضى. وترى النور أخيرا عن دار أدب فن للثقافة والنشر.

“المتاهة” نص سردي عامر بالتحدي والإرادة، والرفض. تدور أحداث الرواية في حارة حلبيّة صغيرة، لكن مدلولاتها تكاد تشمل البيئة الحلبية ككل، شاهدة على مرحلة الستينات في سوريا، وما جرى فيها من أحداث تاريخية، وسياسية، واجتماعية، من نكسة الانفصال، وثورة الثامن من آذار، ثم تعرج الكاتبة على حرب تشرين وما تضمنته تلك الفترات من تغيرات أساسية في بنية المجتمع السوري، وتخص بذلك مدينة حلب.

تختار الكاتبة منطقة الكلاسة، وهي المنطقة الشعبية التي تتميز ببيوتها القديمة، وبسكانها العفويين الذين يعتبر بعضهم من سكان الحي الأصليين، والبعض الآخر من الذين اختاروا هذا الحي لبساطته وإمكانية الإيجار فيه، لتسرد حكاية الحي بطريقة تحمل في ثناياها تفاصيل المواقف، والأشياء وحميميتها، وتوقفنا عند جزئيات تخص المجتمع السوري ككل.

نقرأ مع شخصيات “المتاهة” حكاية كل شخصية بتكوينها الاجتماعي، وما منحته الأسرة والحي والمدينة لكل شخصية على حدة، فبين خلدون والأستاذ خميس، ومحمود، ورامي، ومريم، والخوجة عزيزة، وفتحية، وعيوش سلسلة من القصص لكل واحد منهم.

تدهشنا فاطمة النداف بواقعيتها المرة، وشجاعتها برصد سلبيات البيئة الاجتماعية، وبشكل خاص ما يتعلق بالبيئة الحلبية كانعكاس للبيئة السورية ككل، مع بعض الخصوصيات التي تتعلق بحلب، لما تتضمنه من زيادة في الكبت والتضييق على النساء، وإهمال موضوع الدراسة بالنسبة إلى الذكور والإناث والرغبة في المهن الحرة، لما يظن أنها تجلب الرزق بطريقة أسرع وأكبر.

ولكل شخصية في الرواية دور في توضيح خصوصية المجتمع الحلبي، فلو تحدثنا عن الرجل فهو ثائر غامض، تشوب روح الثورة لديه مشاعر الخوف التي ستوقفه عن إكمال طريقه، وهذا ما يبدو تماما عند خلدون الشاب الطموح، الذي تبدأ حياته مع عائلته التي غادرت ريف أعزاز لتعيش في حلب بسبب عمل الوالد في إحدى ورشات حلب الصناعية، وليطمح هذا الأب إلى تدريس أولاده الذكور طبعا، وعلى رأسهم خلدون الذي سيخيب أمل والده بسبب انغماسه في العمل السياسي الذي يقنعه به جاره أستاذه خميس لينتهي الاثنان هربا إلى لبنان، ولتنتهي حياة خلدون بعودته إلى بيت أهله في الكلاسة، ولتكون نهايته ميتا في مقبرة الحي.

ولا تخلو الرواية من وقفات فلسفية تأملية سردية نلاحظها على لسان رامي الذي يمثل الشخصية الرافضة لبيئة الحارة، والتي غادرها إلى منزل عصري مع عائلته، وتتبدى فلسفته وفنه بطرح العديد من الأفكار الجديدة التي يكتبها بعمق. أما محمود الشاب اليتيم الذي ربته خالته بعد وفاة والديه، ورغم ما قاساه من ظلم زوج خالته بحرمانه من المدرسة فإنه سيجد الحظ مادا يده إليه بعد هروبه من حرب حزيران إلى لبنان مع ثلة من رفاقه، وليكون واحدا ممن سينهض بحارته نحو الحداثة، ولكن بأساليب ليس للأمانة أو الصدق أي علاقة بها. أما مريم فتمثل الصورة المضيئة في الرواية، ابنة الحي التي تشع حياة ونضارة وإرادة، والتي تهزم كل العقبات لتصل إلى طموحها في الدراسة والعمل على الرغم من كل المصاعب التي واجهتها، والتي ترفض أن تنصاع لبدائية وتخلف التفكير الذي يسيطر على أبناء حارتها بشأن المرأة.

الرواية مكانها حلب، وزمنها الستينات، وأشخاصها قريبون منا بطموحاتهم حينا، وأخطائهم حينا آخر، رواية تعبق منها تفاصيل طريفة، ودافئة عن حلب التي كانت.

17