المتبرئون من جثة الصحافة المصرية

رئيس مجلس الإعلام المصري مكرم محمد أحمد أراد الدفاع عن الإعلام فأعلن عن موته.
الاثنين 2019/06/17
صحافة تحت الوصاية

اكتفى مكرم محمد أحمد رئيس مجلس الإعلام المصري بتعداد مظاهر الأزمة المستعصية في قطاع الصحافة والإعلام من ضعف المحتوى وقلة الابتكار، ونقص التوزيع، وغياب المنافسة، وتناقص قراء الصحف، لكنه بدلا من اقتراح الحلول يوجه اللوم للصحافيين المكبلين بأدوات الرقابة.

قرب النهاية، ناجى نوح ربه: “شبعت أياما”. تلك لحظة صفاء نادرة، تمَسّ أغلب الطاعنين في السن والمناصب والأموال والأولاد، بعد اطمئنانهم إلى أنهم أتمّوا المهمة، ولم يعد لديهم ما يضيفونه، وأن أوهام الإضافة في حقيقة الأمر تخصم من الرصيد. ولرئيس المجلس الأعلى للإعلام مكرم محمد أحمد رصيدان، أولهما مؤكد بامتلاكه 84 عاما إذ ولد عام 1935، وثانيهما عمله صحافيا لأكثر من ستين عاما.

وأحمد هو الوحيد من رؤساء التحرير السابقين الأحياء الأكثر حرصا على ممارسة أصول المهنة إلى الآن، بتقصّي الحقائق وقراءة الأرقام، وتجنب الخطاب الإنشائي فيستبدل به معلومات يسعى إلى أن يدعم بها مقالاته، قبل توليه منصبه الجديد، قائدا أعلى لشرطة الإعلام، وانشغاله بمهام رقابة تحصي ما يدخنه هذا الممثل أو ذاك من سجائر، أو ما تقوله شخصية درامية في مسلسل.

ولم يتحْ له هذا الانشغال وقتا كافيا لقراءة المشهد الإعلامي، فاكتفى بحملة على نقاده، نقاد مكرم ونقاد المشهد الإعلامي البائس معا، واتهمهم بجلْد الإعلام، إلا أنه من حيث لا يقصد رثى مهنة الصحافة، وهذا أصدق ما في مقاله الذي انتظرت أكثر من أسبوع ولم أجد له صدى، فأيقنت أن الصحافة المصرية ماتت بالفعل، ولا يؤلم الميت مقال تنشره أقدم صحيفة في العالم العربي لأكبر مسؤول عن الإعلام، سنا ونفوذا.

    انتظر مكرم محمد أحمد مرور عيد الفطر، فنشر في اليوم التالي، في صحيفة الأهرام الخميس 6 يونيو 2019، مقالا عنوانه “لماذا نجلد إعلامنا متغافلين عن أسباب أزمته الحقيقية؟!”، واعترف منذ سطوره الأولى بضعف المحتوى وقلة الابتكار، ونقص التوزيع، وغياب المنافسة، وتناقص قراء الصحف، وبدلا من البحث عن أسباب هذا كله قال

 إن أبرز مشكلات الإعلام “يتعلق بغياب المهنية والأخلاق جريا وراء سباق كاذب استشرى خطره في ظل الفوضى العارمة التي أصابت الدولة عقب أحداث ما يسمونه الربيع العربي”. ولعله لم يعرف أن ثورة 25 يناير 2011 فشلت، بعد إنجاز نجاحات عابرة، بدأت

بتغيير اسم محطة للمترو من “مبارك” إلى “الشهداء”، وكان فضلها على اللواء عبدالفتاح السيسي عظيما.

مكرم محمد أحمد يخلط قولا صالحا بآخر سيء، فلا يناقش أزمة الصحافة، وإنما يؤكد وصول مصر إلى نهضة حقيقية غيرت وجه الحياة

وللثورة فضل أعظم في حفظ كبرياء مكرم محمد أحمد؛ فلولاها لنجح مشروع توريث الحكم، وكان مكرم يكتب خطابات حسني مبارك بضع سنوات، ويحظى باحترام الرئيس الذي يناديه أمام الناس “يا أستاذ مكرم”، وأما جمال مبارك فعامله “من فوق”، وناداه باسمه مجردا، “يا مكرم”، أمام الصحافيين في ندوة بدار الهلال، فحزنت روح جرجي زيدان من الغيرة على دار الهلال التي أسسها في القاهرة، وكيف آلت إلى رجل عاري الأعصاب، يتشاجر مع الهواء الطائر، وفي اختبار الوريث لرد فعله، لا يبدي غيرة على تاريخه المهني.

    اندلعت ثورة 25 يناير 2011 ومكرم محمد أحمد نقيب للصحافيين، وأنهت منصبه بصورة منزوعة الكرامة، وهذا سبب كاف لنقمة لا يمحوها نص دستور 2014 على أن “ثورة 25 يناير ـ 30 يونيو، فريدة بين الثورات في تاريخ الإنسانية، بكثافة المشاركة الشعبية التي قدرت بعشرات الملايين، وبدور بارز لشباب متطلع إلى مستقبل مشرق، وبتجاوز الجماهير للطبقات والأيديولوجيات نحو آفاق وطنية وإنسانية أكثر رحابة”.

وفي 26 يناير 2011، كنت شاهدا على حصار الشرطة لصحافيين يتظاهرون على سلم النقابة، وفي داخل المبنى، وأقصى هتافاتهم سقوط حسني مبارك. قبل وصولي ضُرب مقرر لجنة الحريات بالنقابة محمد عبدالقدوس، ورأيت كدمات تحت عيني السكرتير العام السابق للنقابة يحيى قلاش (النقيب في ما بعد)، والتقيت به في أقصى السلم بعيدا عن الهتاف المتصاعد، فقال إن ضابط شرطة منعه أن يدخل النقابة، وكان معه ابنه الطالب الجامعي، واستعرض الضابط الجالس على الرصيف المقابل للنقابة، أمر الجنود بمنعه إلا بعد أن يتقدم إليه يحيى، ويطلعه على بطاقته الصحافية. ورفض يحيى تلك الإهانة؛ فللنقابة أمن مدني لحمايتها، وقال الضابط إن هذه تعليمات النقيب مكرم، فأوضح له يحيى أن مكرم نقيب الصحافيين وليس نقيب شرطة، وتجادلا ولم يحتمل الفتى الجامعي أن يتعالى الضابط على أبيه، فكانت لكمات الجنود أسبق إلى الأب والابن.

    لندع سيرة الثورة؛ فهي تصيب أعداءها بالتوتر العصبي، وليبق النقاش في جثة صحافة يريد مكرم محمد أحمد التبرؤ من المشاركة أو التواطؤ على قتلها. وفي سنّ تقترن بإعلان “شبعت أياما”، يخلط قولا صالحا بآخر سيء، فلا يناقش أزمة الصحافة، وإنما يؤكد وصول مصر “إلى نهضة حقيقية غيرت وجه الحياة… قويت قدرة الدولة والمجتمع المدني”، وفي هذا غياب عن إدراك رغبة المصريين، وبخاصة الشباب، في الفرار من بلد لا يرون فيه أملا، على الأقل حتى عام 2030.

أما الزعم بقوة المجتمع المدني فيتراوح بين المزحة والغيبوبة. ولأنه صحافي محترف فهو يعي أن الهجوم أفضل وسائل الدفاع، فيتهم الصحافيين بإيثار الجلوس في المكاتب “المكيفة عن الخروج للعمل الميداني، ونستسهل أن ننقل عن الصحافات الأخرى بدلا من محاولة استكشاف واقع مشاكلنا بعيون مصرية، لكننا لا نعاني نقصا في حرية التعبير”. فهل يستطيع أن يتساءل، كتابة أو في برنامج تلفزيوني، عن الهوس بموسوعة غينيس عبر “أفعل التفضيل” في بلد مثقل بالديون، فتقام أطول مائدة إفطار، وأعرض جسر معلق على نهر لا يستدعي عرضه المحدود جسرا معلقا “ملجّما!”. وفي عزّ الحداد الشعبي على تسليم جزيرتي تيران وصنافير لم تجرؤ صحيفة حكومية أو خاصة على نشر مقال يؤكد مصرية الجزيرتين، ولو لزوم ما يلزم لتخزى عين الشيطان.

في منفاه السريلانكي سأل اليابانيون الزعيم أحمد عرابي: ماذا حدث لمصر؟ فأجاب بكلمتيْ “إياكم والديون”؛ إذ أدت سفاهة الاستدانة الخديوية إلى عزل الخديوي إسماعيل، وإيقاع البلاد في اضطرابات انتهت بالاحتلال البريطاني عام 1882. وبعد ثورة لم تنجز إلا تغيير اسم محطة حسني مبارك في المترو، لا يسمح للإعلام بمناقشة الإصرار على الاقتراض والرضوخ لإكراهات صندوق النقد الدولي.

Thumbnail

ولا تجرؤ صحيفة على نشر رأي في ألغاز اقتصادية تبدأ بالاستدانة لإنشاء مشاريع كبرى، وتنتهي بالإعلان عن بيعها. ففي يوليو 2018، افتتحت ثلاث محطات عملاقة لتوليد الكهرباء، وتكلفت بضعة مليارات منحت بالاستدانة لشركة سيمنز الألمانية التي تولت إنشاءها. وفي نهاية مايو 2019 فاجأتنا وزارة الكهرباء بالإعلان عن عروض من مؤسسات عالمية منها شركات أميركية وماليزية لشراء وإدارة عدد من محطات إنتاج الكهرباء، وفي مقدمتها محطات سيمنز الثلاث، على أن تبيعها للحكومة المصرية التي ستبيعها للمواطنين.

جرى ذلك قبل أيام من تنظيم مصر للمنتدى الأفريقي الأول لمكافحة الفساد، في 12 و13 يونيو 2019 بمنتجع شرم الشيخ، فهل يجرؤ أحد على الربط بين الفساد وغياب الشفافية؟ سأترك الإجابة للأستاذ مكرم محمد أحمد الذي أقرّ في مقاله بأن الصحافة المصرية حاليا “تكاد تقتصر حركتها على متابعة نشاط الرئيس دون أن تهتم بالتغطية المهنية بكافة ألوان النشاط الإنساني”.

   كنت أود أن أختم المقال بهذا الاعتراف الكفيل بالقضاء على الصحافة؛ فلا يبالي مواطن غارق في الديون والهموم بمتابعة نشاط الرئيس، بشراء صحيفة أو مشاهدة برنامج، وليت الأمر اقتصر على الرئيس، فالأستاذ مكرم محمد أحمد واصل اعترافاته المكتوبة تحت تجليات في ومضات رمضانية، قائلا إن الصحافة المصرية تعاني أيضا “من تدخل قلة من الوزراء الذين يملكون فرصة إصدار قرارات غير معلنة وغير مشروعة تمنع أفرادا من الصحافيين من الكتابة وجميعها نقائص صغيرة يسهل علاجها”. وليته أجاب عن سؤالين: لماذا لم يعالج نقائص تمثل عدوانا صريحا من سلطة تنفيذية على صحافة أُعلن دائما أنها سلطة رابعة ومستقلة؟ وقبل السؤال الثاني، وجب إيضاح أن المادة رقم 184 في دستور 2014 تبدأ بثلاث كلمات هي “السلطة القضائية مستقلة”، وتنص المادة رقم 211 من الدستور على أن “المجلس الأعلى للإعلام هيئة مستقلة”، وتليها المادة 212 بالنص على أن “الهيئة الوطنية للصحافة هيئة مستقلة”، فإذا كانت لدى “قلة من الوزراء” سلطة التدخل بمنع صحافيين من الكتابة، فهل نخشى امتداد هذه العدوى الشيطانية إلى سلطات أخرى لا تقل استقلالا عن سلطة الصحافة؟

18